على الضَّميرِ في ( وَيُعَلِّمُهُم ) أي : ويُعَلِّمُهُم ويُعَلِّمُ آخرينَ ، لأَنَّ التَّعليمَ إذا تَنَاسَقَ
إلى آخَرِ الزَّمانِ وكانَ كُلُّهُ مستَنِداً إلى أوَّلِهِ فَكأَنَّهُ ( عليه السلام ) تَولَّى كُلَّ ما وُجِدَ منْهُ ( وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) في تَمْكينِهِ رَجُلاً أُمِّيّاً من هذا الأَمرِ العظيمِ ، واخْتيارِهِ إيَّاهُ من بينِ
سائرِ الخَلق .
( ذلِكَ ) الْفَضْلُ الذي أَعْطَاهُ محمَّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو النُّبُوَّةُ لِكَافَّةِ خَلْقِ الأوَّلينَ
والآخَرينَ إلى يَوْمِ القيامةِ هو ( فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ ) يُعطِيهِ ( مَنْ يَشَآءُ ) إِعْطَاءَهُ
وتَقْتَضِيه حِكْمتُهُ ( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) على خَلْقِهِ بِبَعْثِه .
و ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَة ) وَهُم اليَهُودُ الذين قَرَؤُوها وحَفَظُوها ( ثُمَّ لَمْ
يَحْمِلُوهَا ) بِكَوْنِهِم غَيْرَ عَامِلينَ ( 1 ) بهَا ، ولا مُنْتَفِعينَ بآياتِها ، لأنَّ فيها صِفَةَ نَبيِّنا
ونَعْتَهُ والبشَارَةَ بِهِ ولَمْ يؤْمنُوا بِهِ ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) أي : كُتُباً كُبَاراً من
كُتُبِ العِلْمِ ، فَهُو يَمْشي بها ولا يَدري منْها إلاَّ ما يَمُرُّ بِجَنْبَيْهِ وظَهْرِهِ من الكدِّ ، وكَذَا
كُلُّ مَن عَلِمَ عِلْماً ولَمْ يَعْمَلْ بمُوجِبِهِ فَهذا مِثْلُهُ ، و ( بِئْسَ ) مَثَلاً ( مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِيَتِ اللهِ ) وَهُمُ اليَهودُ كَذَّبُوا بالتَّوراةِ ، أو : بالقُرآنِ ، أو : بآياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على
نُبوَّةِ محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ومعنى قَولِهِ : ( حُمِّلُواْ التَّوْرَة ) : كُلِّفُوا عِلْمَها والعَمَلَ بها ( ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) ثمَّ
لَمْ يَعْملُوا بها ، فَكَأَنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها . وقَولُهُ : ( يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) في مَحَلِّ نَصْب
على الحالِ ، أو : جَرٍّ وَصْفاً ل ( الْحِمَارِ ) لأنَّه مِثْلُ " اللَّئيمِ " ( 2 ) في قَوْلِ الشَّاعِرِ :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئيمِ يَسُبُّني ( 3 )
هامش
( 1 ) في نسخة : " عالمين " .
( 2 ) يريد : أنّ المراد فيها الجنس ، فتعريفه وتنكيره سواء ، فجاز وصفه بالجملة وإن كانت لا
يوصف بها إلاّ النكرة .
( 3 ) وعجزه : فمضيت ثمَّة قلتُ لا يعنيني . لرجل من بني سلول وقيل : لشمر بن عمرو الحنفي .
وقد تقدّم شرح البيت في ج 1 ص 58 .