( إنْ أُمَّهَتُهُمْ ) أي : ما أمَّهَاتُهُم علَى الحَقيقَةِ ( إِلاَّ الْئِى وَلَدْنَهُم ) وَغَيْرُهُنَّ
مُلْحَقَاتٌ بِهِنَّ لِدُخُولِهِنَّ في حُكْمِهِنَّ ، فالمُرْضِعَاتُ دَخَلْنَ بالرَّضَاعِ في حُكْمِ
الأُمَّهاتِ ، وكذلك أَزْواجُ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أُمَّهَاتُ المؤْمنينَ ، لأنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ
نكَاحَهُنَّ علَى الأُمَّةِ ، فَدَخَلْنَ بذلك في حُكْمِ الأُمَّهاتِ . وأَمَّا الزَّوجَاتُ فأَبْعَدُ شَيْء
من الأُمُومةِ ، لأنَّهنَّ لَسْنَ بأُمَّهات علَى الحقيقةِ ، وَلاَ بِدَاخِلات فِي حُكْمِ الأُمَّهاتِ ،
فكانَ قَولُ المُظَاهِرِ ( مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ ) تَنْكُرُهُ الحَقيقةُ وتَنْكُرُهُ الأَحكَامُ الشَّرعيَّةُ ،
( وَزُوراً ) وَكَذِباً بَاطِلاً منْحَرِفاً عن الحقِّ ( وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) لِمَا سَلَفَ منْهُ إذا
تِيبَ منْه .
( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ) فيهِ وجُوهُ : أَحَدُها : أنَّ المُرادَ : والَّذينَ كانُوا يقُولُونَ
هذا القَوْلَ المنْكَرَ فَتَركُوهُ بالإِسلامِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمِثْلِهِ ، فَكَفَّارَةُ مَنْ عَادَ أَنْ يُحَرِّرَ رَقَبَةً
- أي : يُعْتِقَها - ثُمَّ يُمَاسُّ امرأَتَهُ التي ظَاهَرَ منْها ، لا يَحِلُّ لَهُ مَمَاسَّتَها إلاَّ بَعْدَ تَقْديمِ
الكَفَّارَةِ . وَثَانِيها : أنَّ المعنى : ثُمَّ يَتَداركُونَ ما قَالُوا ، لأنَّ المُتَدَاركَ للأَمْرِ عَائِدٌ إليهِ ،
ومنْهُ المَثَلُ : " عادَ غَيْثٌ على ما أَفْسَدَ " أي : تَدَارَكَهُ بالإِصْلاحِ . ومَعْنَاهُ : أَنَّ تَدَارُكَ
هذا القَوْلِ وتَلاَفِيَهُ بأَن يُكَفِّر حتَّى يَرْجعَ حَالُهُما كَمَا كانَتْ قَبْلَ الظِّهَارِ . وَثَالِثُها : أَن
يكُونَ المُرادُ بِمَا قَالُوا : ما حَرَّمُوهُ على أَنْفُسِهِم بِلَفْظِ الظِّهَارِ تَنْزيلاً للمَقُولِ مَنْزلَةَ
المَقُولِ فيهِ ، نَحْوُ ما ذُكِرَ في قَولِهِ تَعالى : ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) ( 1 ) ، ومَعنَاهُ : ثُمَّ يُريدُونَ
العَوْدَ للتَّمَاسِّ ، وهو الاستِمْتَاعُ بهَا من جِمَاع أَو لَمس بشَهْوَة ( ذلِكُمْ ) الحُكْمُ
( تُوعَظُونَ بِهِ ) لأنَّ الحُكْمَ بالكَفَّارَةِ دَليلٌ على ركُوبِ الإِثْمِ والجنَايَةِ ، فَينْبَغي أَن
يَتَّعِظُوا بهذا الحُكْمِ حتَّى لا يَعُودُوا إلَى الظِّهَارِ .
هامش
( 1 ) مريم : 80 .