وهي يَومُ القِيَامَةِ ، وُصِفَتْ بالوقُوعِ لأنَّها تَقَعُ لا مَحَالَةَ .
( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا ) نَفْسٌ ( كَاذِبَةٌ ) تَكْذِبُ علَى اللهِ ، وتَكْذِبُ في تَكْذيبِ
الغَيْبِ ، لأنَّ كُلَّ نَفس حينئذ مؤْمِنَة صَادِقَةٌ مُصدِّقَةٌ ، وأَكثَرُ النُّفُوسِ اليَوم كَواذِبٌ
مُكذِّباتٌ ، واللاَّمُ مثْلُها في قَولِهِ تعالى : ( قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ) ( 1 ) . وقيلَ : ( كَاذِبَة )
كالعَافِيَةِ بمعنَى التَّكْذيبِ من قَولِهِم : حَمَلَ فُلانٌ على قِرْنِهِ فَمَا كَذَب ، أي : فَمَا
جَبُنَ ( 2 ) ، وحقيقَتُهُ : فَمَا كَذَّبَ نَفْسَهُ فيمَا حدَّثَتْهُ بِهِ من إطَاقَتِهِ لَهُ ، قَالَ زُهيرٌ :
لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطَادُ الرِّجالَ إذا * ما اللَّيثُ كَذَّبَ عن أَقْرانِهِ صَدَقَا ( 3 )
أي : إذا وَقَعَتْ لَمْ يكُنْ لها رَجْعَةٌ ولا ارتدَادٌ . ( خَافِضَةٌ ) خَبَرُ مبتَدَأ محْذُوف
أي : هي خَافِضَةٌ رافِعَةٌ .
( إِذَا رُجَّتِ الأْرْضُ رَجًّا ) أي : حُرِّكَتْ تَحْريكاً شَديداً حتَّى يَنْهدِمَ كلُّ شَيء
فَوْقَها من جَبَل وبنَاء . ( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ) وَفُتِّتَتْ حتَّى تَعُودَ كالسُّوَيْقِ ، أو :
سِيقَتْ وَسُيِّرَتْ ، من : بَسَّ الغَنَمَ إذا سَاقَها . ( فَكَانَتْ هَبَآءً مُنْبَثًّا ) متَفرِّقاً ، وَينْتَصِبُ
( إِذَا رُجَّت ) ب ( خَافِضَة رَافِعَة ) ، أو : على البَدَلِ من ( إِذَا وَقَعَتْ ) .
( وَكُنْتُمْ أَزْوَجاً ) أي : أَصْنَافاً ( ثَلَثَةً ) ، ( فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ) الَّذين يُعْطَوْنَ
صَحَائِفَهُم بأَيْمَانِهِم ، ( وَأصْحَبُ الْمَشئَمَةِ ) الَّذين يُعطَوْنَها بشَمَائِلِهم ، أو : مَعْنَاهُما :
أَصْحابُ المَنْزلةِ السَّنيَّةِ وأَصْحابُ المَنْزلةِ الدَّنيَّةِ ، من قَولِهِم : فُلانٌ من فُلان باليَمينِ
أو بالشِّمَالِ : إذا وَصَفُوهُ بالرِّفْعةِ عنْدَهُ أو بالضِّعَةِ ، وذلك لِتَيَمُّنِهِم بالْمَيَامِنِ وَتَشَؤُّمِهِم
هامش
( 1 ) الفجر : 24 .
( 2 ) قاله الزجّاج في معاني القرآن : ج 5 ص 107 .
( 3 ) البيت من قصيدة طويلة يمدح فيها رجلاً شجاعاً ، وعَثَّرَ : اسم موضع ، يقول : إذا كذَّب
الفارس - أي جبن - عن أقرانه في الحرب صَدَقَ هو ونفذَ عزمه وقتلَ قرنه .
أُنظر ديوان زهير : ص 43 وفيه : " ما كذّب الليث عن . . . " .