وَقَد أَخَّرَ ( خَلَقَ الاِْنْسَنَ ) عن ذِكْرهِ لِيُعْلَمَ أنَّه إنَّما خَلَقَهُ لِيَعْلَمَ وَحْيَهُ ، فَمَا خُلِقَ
الإِنْسانُ من أَجْلِهِ كانَ مقَدَّماً عليهِ .
ثمَّ ذَكَرَ ما يُميَّزُ بهِ الإِنْسانُ من سائرِ الحَيَوانِ من ( الْبَيَان ) وهو النُّطْقُ المُعْرِبُ
عمَّا في الضِّميرِ ، وقيلَ : إنَّ ( الإِنْسَنَ ) آدمُ ( عليه السلام ) ، و ( الْبَيَانَ ) اللُّغَاتُ كُلُّها وأَسْمَاءُ
كلِّ شَيء ( 1 ) . وقيلَ : ( الإِنْسَن ) محمَّدٌ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، و ( الْبَيَان ) ما كَانَ وما يَكُون ( 2 ) .
وعن الصَّادقِ ( عليه السلام ) : ( البَيَان ) الاسْمُ الأَعْظَمُ الَّذي عَلِمَ بهِ كُلَّ شَىْء .
( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان ) بِحِسَاب معلُوم وتَقْدير سَويٍّ يَجْريانِ في
بُرُوجِهِما ومَنَازِلِهِما ، وفي ذلكَ مَنَافِعُ عظيمةٌ للنَّاسِ منْها : عِلْمُ السِّنينِ والحِسَابِ .
( وَالنَّجْمُ ) : النَّباتُ الذي يَنْجُمُ من الأَرْضِ لا سَاقَ لَهُ كالبُقُولِ ( وَالْشَّجَرُ ) : الذي
لَهُ سَاقٌ ، وَسُجُودُهُما : انْقِيادُهُما للهِ تعالى فِيمَا خُلِقَا لَهُ ، أو : مَا فيهما من الدَّلالةِ على
حُدُوثِهما ، وأنَّ لَهُما صَانِعاً مُحْدِثاً . واتَّصَلَتْ هاتانِ الجُمْلتانِ بِ ( الْرَّحْمن )
اتِّصَالاً مَعْنَويَّاً ، وَهُو ما عُلِمَ أنَّ الحُسْبَانَ حُسْبَانُهُ ، والسُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ، فَكَأنَّهُ قَالَ :
بحُسْبَانِهِ ويَسْجُدَانِ لَهُ .
( وَالْسَّمَآءَ رَفَعَهَا ) خَلَقَها مرفُوعَةً مسْمُوكَةً ، حَيثُ جَعَلَها مَنْشَأَ أَحْكامِهِ ،
ومُنْتزَلَ أَوامِرِهِ ونَوَاهِيهِ ، ومَسْكَنَ ملائِكَتِهِ الَّذين يَهْبطُونَ بالوَحْيِ عَلى رُسُلِهِ
( وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ) وهو كُلُّ ما يُوزَنُ به الأَشْيَاءُ ، ويُعْرَفُ مَقَادِيرُها ، لِيُوصَلَ بهِ إلَى
الإِنْصَافِ والانتِصَافِ ، وقيلَ : المُرادُ بهِ العَدْلُ ( 3 ) . ( أَنْ لاَ تَطْغَوْاْ ) لَئِلاَّ تَطْغَوا ، أَو :
هي " أن " المُفَسِّرةُ . ( وَأقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ) أي : قَوِّمُوا وَزْنَكُم بالعَدْلِ ،
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس وقتادة والحسن كما في تفسير القرطبي : ج 17 ص 152 .
( 2 ) وهو قول ابن عباس أيضاً وابن كيسان . راجع المصدر السابق .
( 3 ) قاله مجاهد وقتادة والسدِّي . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 424 .