( قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ ) أي : قَالَ في نَفْسِهِ : هؤلاءِ قَومٌ لا نَعْرفُهُم .
( فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ ) فَذَهَبَ إليهِم في خُفْية من ضُيُوفِهِ ، ومن أدَبِ المضَيِّفِ أن
يُخْفي أَمرَهُ ، وأَن يُبَادرَهُ بِالْقِرى من غَيْرِ أن يَشْعُرَ بهِ الضَّيْفُ حَذَراً من أن يَكُفَّهُ ،
وعن قَتَادَةَ : كانَ عامَّةُ مَالِ نبيِّ اللهِ إبراهيمَ البَقَر ( فَجَاءَ بِعِجْل ) ( 1 ) . والهَمْزةُ في
( أَلاَ تَأْكُلُونَ ) للإِنْكارِ ، أَنْكَرَ عليهم تَرْكَ الأَكْلِ أو : حَثَّهُم عليهِ . ( فَأَوْجَسَ )
فَأَضْمَرَ . وعن ابنِ عبَّاس : وَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّهم ملائكةٌ أُرْسِلُوا للعَذَابِ ( 2 ) ( وَبَشَّرُوهُ
بِغُلَم عَلِيم ) يكُونُ عَالِمَاً نبيّاً وهو إسحاقُ ، وعن مجاهد : هو إسماعيلُ ( 3 ) . ( فِي
صَرَّة ) في صَيْحَة ، من : صَرَّ الجُنْدُبُ ، وصَرَّ القَلَمُ والبَابُ ، وهو في محلِّ الحالِ ، أي :
جاءَتْ صَارَّةً ، وعن الحَسَنِ : أَقْبَلَتْ إلى بيتِها وكانَتْ في زَاويَة تَنْظُرُ إليهِم ، لأنَّها
وَجَدَتْ حَرارَةَ الدَّمِ فَلَطَمَتْ وَجْهَهَا من الحَيَاءِ ( 4 ) ، وقيلَ : فَضَرَبَتْ بأَطْرافِ أَصَابِعِها
جَبْهَتَهَا فِعْل المتَعَجِّبِ ( 5 ) ( وَقَالَتْ عَجُوزٌ ) أي : أَنا عَجُوزٌ ( عَقِيمٌ ) فَكَيفَ أَلِدُ ؟ !
قَالُوا : ( كَذلِكَ ) مِثْلُ ذلكَ الذي قُلْنَا وأَخْبَرْنَا بهِ ( قَالَ رَبُّكِ ) أي : إنَّما نُخْبِرُكِ عن
أَمْرِ اللهِ ، واللهُ قَادِرٌ على ما تَستَبْعِدِينَ .
ولمَّا عَلِمَ إبراهيمُ أنَّهم رُسُلُ اللهِ ( قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ ) أي : فَمَا شَأْنُكُم وما
طَلَبُكُم ؟ سمَّاهُمْ : " مُسْرِفِينَ " كَمَا سمَّاهُم " عَادِينَ " لإِسْرافِهِم في الفَواحِشِ
وعَدَواتِهِم فيها . ( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا ) أي : في قُرَى قَوْمِ لُوط ، ولَمْ يَجْرِ لها ذِكْرٌ
لكَوْنِها معْلومةً ، وفيه دليلٌ على أنَّ الإِيمانَ والإِسلامَ في الحقيقةِ واحِدٌ ، وأنَّهما صِفَتَا
هامش
( 1 ) حكاه عنه الماوردي في تفسيره : ج 5 ص 370 .
( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 402 .
( 3 ) تفسير مجاهد : ص 619 .
( 4 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 402 .
( 5 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 442 .