الْقَوْمُ : رِجَالٌ خاصَّةً لأنَّهم القُوَّامُ بأُمورِ النِّساءِ ، وهو في الأَصْلُ جَمْعُ " قائِم " ،
كَصَوم وَزَوْر في جَمْع " صائِم " و " زائِر " ، قَالَ زُهير :
وما أَدري وسَوفَ إِخالُ أَدري * أَقَوْمٌ آلُ حِصْن أَم نِسَاءُ ( 1 )
والمعنى ( لا يَسْخَرْ ) بَعضُ الرِّجالِ من بعض ، ولا بَعضُ النِّساءِ من بعض ،
وقَولُهُ : ( عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ) كلامٌ مستَأْنَفٌ ، وقَد وُرِدَ موردَ جَوابِ
المستَخْبِرِ عن العلَّةِ المُوجبةِ لِمَا جَاءَ النَّهْيُ عنْهُ ، والمعنى : أنَّ المسخُورَ منْهُ ربَّما كانَ
عند اللهِ خَيْراً من السَّاخِرِ ، فينبغي أَن لا يستهزِئ أَحَدٌ بمَنْ يَراهُ رَثَّ الحالِ أو ذَا
عَاهَة ، فلعلَّهُ أَتْقى عند اللهِ وأَخْلَصُ ضَميراً ممَّن هو على ضدِّ صِفَتِهِ ، فيكُونُ قَد حَقَّرَ
مَن وَقَّرَهُ اللهُ . ( وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ ) أي : لا يَطْعَنْ بعضُكُم على بعض ، ومثْلُهُ
( لاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ) ( 2 ) لأنَّ المؤْمنينَ كَنَفْس واحِدة ، أي : حصِّنُوا أنفُسَكُم بالانتهاءِ
عن عَيْبِها والطَّعْنِ فيها ، ولا عَلَيكُم أن يَعْتبوا ( 3 ) غَيْرَكُم ممَّنْ لا يَدينُ بدينِكُم .
وفي الحديثِ : " اذكُروا الفَاجِرَ بِمَا فيهِ كي يَحذَرَهُ النَّاسُ " ( 4 ) .
واللَّمْزُ : الطَّعْنُ والعَيْبُ في المشهدِ ، والهَمْزُ : في الغَيْبِ ، وقيلَ : إنَّ اللَّمْزَ ما يكُونُ
باللِّسانِ وبالعينِ والإِشَارةِ ، والهَمْزُ لا يكُونُ إلاَّ باللِّسانِ ( 5 ) . ( وَلاَ تَنَابَزُواْ
بِاْلأَلْقَبِ ) أي : لا تَدَاعَوْا بها ، وهو تَفَاعلٌ من النَّبْزِ ، وبنُو فُلان يتَنَابزُونَ ويَتَنَازَبُونَ
هامش
( 1 ) البيت من قصيدة طويلة يهجو فيها قوماً من بني غليب ، يقول : سأبحث عن حقيقة أمر
هؤلاء الناس أَرجال هم أم نساء ! وهذا هزء بهم وتوعدّ لهم . راجع ديوان زهير بن أبي سلمى :
ص 12 .
( 2 ) النساء : 29 .
( 3 ) في نسخة : " تعيبوا " .
( 4 ) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء : ج 1 ص 114 وج 2 ص 492 ، وابن حجر في الكافِ
الشاف : ص 157 ، والشهيد الثاني في كشف الريبة : ص 79 .
( 5 ) قاله الطبري كما في تفسير القرطبي : ج 16 ص 327 .