( فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) ( 1 ) فَنَكصُوا ، وقيلَ : يُريدُ أَيديَ أهلِ مكَّةَ بصُلْحِ الحديبيَّةِ ( 2 )
( وَلِتَكُونَ ) هذه الكفَّةُ والهُدْنَةُ والغنيمةُ الّتي عُجِّلَتْ ( ءَايةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ) وعِبْرة
يُعْرَفُونَ بها أنَّهم من اللهِ بمكان ، وأنَّه ضامِنٌ نَصْرَهُم والفَتْحَ عليهم ، وذلك لأنَّ
الصُلْحَ وقعَ : على وَضْعِ الحربِ عن النَّاسِ عَشْرُ سنين يأْمَنُ فيهنَّ النَّاسُ ، وعلى أنَّ
مَنْ قَدِمَ مكَّةَ من المسلمينَ فهو آمنٌ على دَمِهِ ومالِهِ ، ومَنْ قَدِمَ المدينةَ من قُريش
فهو آمنٌ على دَمه ومالِهِ ، ومَنْ أَحَبَّ أَن يدخُلَ في عَقْدِ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعَهْدِهِ دَخَلَ
فيهِ ، ومَنْ أحبَّ أن يدخُلَ في عَقْدِ قُريش وعَهْدِهِم دَخَلَ فيهِ ، فَقَالَتْ خُزَاعةُ : نَحْنُ
في عَقْدِ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعَهْدِهِ ، وقَالَتْ كنَانةُ : نَحْنُ في عَقْدِ قُريش ، فَقَالَ سُهَيْلُ بنُ
عَمْرو لرسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : على أنَّه لا يأْتيكَ منَّا رجلٌ وإنْ كانَ على دينِكَ إلاَّ
رَدَدْتَهُ إلينا ، ومَنْ جاءَنا ممَّنْ مَعَكَ لا نَردُّهُ عليكَ ، فَقَالَ المسلمونَ : سبحانَ الله !
كيف يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاءَ مسلماً ؟ فقالَ ( عليه السلام ) : مَنْ جاءَهُم منَّا فأَبْعَدَهُ اللهُ ،
ومَنْ جاءَنا منْهُم رَدَدْنَاهُ إليهم ولَوْ عَلِمَ اللهُ الإِسلامَ من قَلْبِهِ جَعَلَ له مَخْرجاً ، فَقَالَ
سُهَيْلٌ : وعلى أنَّك تَرْجعُ عنَّا عامكَ هذا فَلاَ تَدخُلْ مكَّةَ ، فإذا كانَ العامُ القَابِلُ
خَرَجْنا عنها لكَ فَدَخَلْتَها بأصحابِكَ فأَقَمْتَ بها ثلاثاً فلا تَدْخُلْها بالسِّلاحِ إلاَّ
والسُّيوفُ في القِرَابِ ، وعلى أنَّ هذا الهَدْيَ حيثُ ما حَسبنَاهُ مَحِلّهُ لا تُقدمْهُ علينَا ،
فقال ( عليه السلام ) : نَحنُ نَسوقُ وأنتم تردُّونَ ؟ ! قَالَ عمر بن الخطَّاب : والله ما شَكَكْتُ منذُ
أَسْلَمْتُ إلاَّ يومئذ ، فأَتَيتُ النبيَّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقُلتُ : أَلَسْتَ نبيَّ الله ؟ قال : بلى ، قُلتُ : أَلَسْنا
على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ ؟ فَقَالَ : بلى ، قُلتُ : فَلِمْ تَعطي الدنيَّةَ في دينِنا إذاً ؟
قَالَ : إنِّي رسولُ اللهِ ولَسْتُ أعْصِيهِ ، وهو نَاصري ، قُلتُ : أَوَلَسْتَ كنتَ تُحدِّثنا أنَّا
هامش
( 1 ) الأحزاب : 26 ، الحشر : 2 .
( 2 ) قاله أنس وعبد الله بن مغفل المزني والكلبي . راجع تفسير القرطبي : ج 16 ص 281 .