( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى ) وظَهَرَ لهم الحقُّ إنَّما ضَرُّوا أَنْفُسَهم ( 1 ) ، و ( لَنْ
يَضُرُّواْ اللهَ ) بذلكَ ( وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهمْ ) التي عَمَلُوها فلا يَرَونَ لها في الآخرةِ
ثَواباً .
( وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ ) بمعصيةِ اللهِ والرَّسُولِ ، أو : بالشَكِّ والنِّفاقِ . وعن ابنِ
عبَّاس : لا تُبْطِلُوها بالرياءِ والسُّمْعَةِ ( 2 ) . ( فَلا تَهِنُواْ ) أي : فلا تَضْعَفُوا ولا تَتَوانوا
في قتالِ أعداءِ اللهِ ، ( وَ ) لاَ ( تَدْعُواْ إلَى السَّلْمِ ) قُرِئ بالفَتْحِ والكسرِ ( 3 ) وهُما
المُسَالَمَةُ ( وَأَنْتُمُ الأْعْلَوْنَ ) أي : الأغْلبُونَ الأقْهَرون ، وقيلَ : إنَّ الواو للحالِ ، أي : لا
تَدعُوهُم إلى الصُّلْحِ والحَالُ أنَّكم الغَالِبُونَ القَاهِرون لهم ، و ( تَدْعُواْ ) مجْزُومٌ
لدخُولِهِ في حُكْمِ النَّهْيِ كما ذَكَرْنا ، ويجوزُ أن يكونَ منصوباً بإضْمارِ " أنْ " ، ( وَلَنْ
يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ ) هو من : وتَرْتُ الرَّجُلَ إذَا قَتَلْتُ لهُ قتيلاً أو حَرَبْتُهُ ( 4 ) ، وحقيقتُهُ :
أفردْتُهُ مِنْ حَميمِهِ أو مَالِهِ ، من الوترِ وهو الفَرْدُ .
ومنْهُ قولُ النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ومَنْ فاتَتْهُ صلاةُ العَصْرِ فكأنَّما وَتَرَ أَهْلَهُ ومَالَهُ " ( 5 ) ،
أي : أفردَ عنْهما قَتْلاً ونَهْباً ، فَشَبَّهَ سبحانَهُ إضاعةَ عَمَلِ العاملِ وإبْطالِ ثوابِهِ بوِتْرِ
الواتِرِ ، وهو من فَصيحِ الكلام .
( وَإنْ تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أجُورَكُمْ ) أي : ثَوابَ إيمانِكُم وتَقْواكُم ( وَلاَ
يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ ) أي : ولا يسأَلْكُم جميعَها في الصَّدَقَةِ ، وإنَّما أَوْجَبَ عليكُم الزكاةَ
هامش
( 1 ) في بعض النسخ : " نفوسهم " .
( 2 ) تفسير ابن عباس : ص 430 .
( 3 ) أي بكسر السين ، وهي قراءة حمزة وعاصم برواية أبي بكر . راجع كتاب السبعة في
القراءات : ص 601 .
( 4 ) حَرَبَه يحُربُه حرباً : إذا أخذ مالَه وتركه بلا شيء ، وحَرَبَ ماله أي : سَلَبَه . ( الصحاح : مادة
حرب ) .
( 5 ) أخرجه مالك في الموطأ : ج 1 ص 12 ح 21 ، وابن ماجة في السنن : ج 1 ص 224 ح 685
بإسنادهما إلى ابن عمر .