( أَءِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد ) وهُوَ " نُبْعَثُ " أو " يُجَدَّدُ خَلْقُنَا " ، ( لِقَاء رَبِّهِم ) هُو الوصُولُ
إلَى العَاقبةِ من تَلقّي مَلِكِ المَوتِ وَمَا ورائهِ .
وَلمَّا ذَكَرَ كُفْرَهُم بالإِنشاءِ أَضْرَبَ عنه إلى ما هو أَبْلَغُ في الكُفْرِ ، وهُوَ أنَّهُم
كافِرُونَ بجَميعِ ما يكُونُ في العَاقبةِ لا بالإِنْشَاءِ وَحْدَه ، أَلا تَرى كيفَ خُوطبُوا
بالتَّوفِّي وبالرُّجوعِ إلى رَبِّهم بعد ذلكَ مبعُوثينَ للجَزَاءِ ؟ وهذا معنى " لِقَاءِ اللهِ "
والتَّوفِّي : استيفَاءُ النَّفْسِ وهيَ الرُّوح ، وهي أَن تُقْبَضَ كُلُّها لا يُتْرَكُ مِنْها شَيءٌ ،
مِن قَولهِمِ : تَوفَّيتُ حَقِّي واستَوفَيْته .
وعن ابن عبَّاس : جُعِلَتِ الدُّنيا لِمَلِكِ المَوتِ مثلُ الجامِ ، يَأْخُذُ مِنهَا ما يَشَاءُ إذا
حَانَ القَضَاء ( 1 ) .
وعن قتادةَ : إنَّ لَه أَعْواناً من مَلائكةِ الرحْمَةِ ومَلائكةِ العَذَابِ ، أَي : يَتَوفَّاهُم
وَمَعَهُ أَعْوانه ( 2 ) . وَقيلَ : يَدعُو الأَرْواحَ فتُجِيبُهُ ثمَّ يَأْمُرُ أَعْوانَهُ بِقَبْضِها ( 3 ) .
( وَلَوْ تَرَى ) خِطَابٌ لِرسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وَجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ ، أَي :
لَرأيْتَ أَمْراً فَظيعَاً عَظيمَاً وَحَالاً سيِّئَةً ، ويجوزُ أَن يكونَ خِطَاباً لكلِّ أَحد ، كَمَا يُقَالُ :
فُلانٌ لَئيمٌ إنْ أَكْرَمْتهُ أَهَانَك ، ولا يُريدُ مُخَاطَباً بعينه ؛ و ( إذْ ) ظَرْفٌ للرُّؤية ( نَاكِسُواْ
رُءُوسِهِم ) مُطْرِقُوهَا ومُطَأطِئُوهَا حَيَاءً وَذُلاًّ ، يَستَغيثُونَ بقَولِهِم : ( رَبَّنا أَبْصَرْنَا
وَسَمِعْنَا ) فَلاَ يُغَاثونَ ، والمعنى : أَبْصَرْنَا صِدْقَ وَعْدِكَ وَوَعيدِكَ ، وَسَمِعْنَا منكَ
تَصديقَ رُسُلِك ، أو : كُنَّا عُمْياً وصُمّاً فأَبْصَرْنَا وسَمِعْنَا ( فَاْرْجِعْنَا ) إلَى الدُنْيا نَعملُ
صَالحَاً ( إِنَّا مُوقِنُونَ ) اليومَ .
هامش
( 1 ) تفسير ابن عباس : ص 348 .
( 2 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 10 ص 236 .
( 3 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 3 ص 509 .