زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتاهُمْ تَقْوَلهُمْ ( 17 ) فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ
بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ( 18 ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ
إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ
وَمَثْوَاكُمْ ( 19 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذ آ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ
نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( 20 ) )
قَولُهُ : ( مَثَلُ الْجَنَّةِ . . . كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ ) كَلامٌ في صُورةِ الإِثْباتِ ، والمعنى : النَّفْيُ
والإِنْكارُ ؛ لانطوائِهِ تحتَ كلام مُصَدَّر بحَرْفِ الإِنْكارِ ودخُولِهِ في حيِّزِهِ ، وهو قَولُهُ :
( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّه كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) فكأَنَّه قَالَ : أَمَثَلُ الجنَّةِ
كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خَالِدٌ في النَّارِ ، وفي تَعْريتِهِ من حَرفِ الإِنْكارِ زيادةُ تَصوير
لمُكَابرةِ مَنْ يُسَوِّي بين المتمسِّكِ بالبيِّنةِ والمتَّبِعِ لِهَوَاهُ ، وأنَّه بمنزلةِ مَن يسوِّي بين
الجنَّةِ التي فيها تلك الأنْهارِ وبين النَّارِ التي يُسْقَى أَهلُها الحَميمُ ، ونَظيرُهُ قَولُ
القائلِ :
أَفْرَحُ أَنْ ارْزَأَ الكِرامَ وَأَنْ * أُوْرَثَ ذُوْداً شَصَائِصاً نُبَلاَ ( 1 )
فإنَّه إِنْكارٌ للفَرَحِ بِرزْئةِ الكِرَامِ ووراثةِ الذُودِ مَعَ تَعرِّي الكلامِ عن حَرْفِ
الإِنْكارِ ، لانْطوائِهِ تحتَ حُكْم قَوْلِ مَن قَالَ لَهُ : أَتَفْرحُ بمَوْتِ أخيكَ وبورَاثةِ إِبِلِهِ ؟
فَكأنَّهُ قَالَ : أَمِثْلي يَفْرحُ بذلك ! وهو من التَّسليمِ الذي تَحتَهُ كلُّ إنْكارِ ، و ( مَثَلُ
الْجَنَّةِ ) صِفَةٌ الجنَّةِ العجيبةِ الشَّأْنِ ، وهو مبتدأٌ وخَبَرُهُ ( كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ ) ، وقَولُهُ :
( فِيهَا أَنْهَرٌ ) داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ كالتَّكريرِ لَهَا . ويجوزُ أَن يكُونَ في محلِّ
هامش
( 1 ) البيت منسوب لحضرمي بن عامر من أبيات يخاطب بها جَزْءَ بن سنان حين اتّهمه بفرحه
وسروره بأخذ دية أخيه القتيل . راجع شرح شواهد الكشّاف للأفندي : ص 271 .