فيها ، ثمَّ فَسَّرَهَا ب ( ذِكْرَى الدَّارِ ) شَهادَةً لِذِكْرى الدَّار بالخُلُوصِ والصَّفاءِ ، وَأَنَّ
الكُدورَةَ منتَفِيَةٌ عنها . وقُرئ : " بخَالِصَةِ ذِكْرى " على الإِضافةِ ( 1 ) ، والمعنى : بِمَا
خَلُصَ من ذِكْرَى الدَّار ، على أنَّهم لا يشُوبُونَ ذِكْرَى الدَّارِ بهمٍّ آخر ، إنَّما هَمُّهُمْ
ذِكْرَى الدَّارِ لاَ غَيْرَ ، ومعنى ( ذِكْرَى الدَّارِ ) : ذِكْرُهُم الآخِرَةَ دائماً ونِسْيَانُهُم إليها
ذِكْرَ الدُّنيا ، أو : تَذْكيرُهُم الآخرةَ وتَرغيبُهُم فيها وتَزهيدُهُم في الدُّنيا كَمَا هو شَأْنُ
الأنبياء ، وقيلَ : ذِكْرَى الدَّارِ : الثَّناءُ الجَميلُ في الدُّنيا ، وَلِسانُ الصِّدْقِ الّذي لَيس
لِغَيْرِهِم ( 2 ) والمعنى : أَخْلَصْنَاهُم بِسَبَبِ هذه الخَصْلَةِ وبأنَّهُم من أَهْلِهَا ، أو :
أَخْلَصْنَاهُم بتوفيقِهِم لَهَا . ( لَمِنَ المُصْطَفينَ ) أي : المُخْتَارينَ من بين أبناءِ جِنْسِهِم
( الأَخْيَار ) جَمْعُ خَيِّر أو خَيْر علَى التَّخفيفِ ، كأَمْوات في جَمْعِ " مَيِّت " أو " مَيْت " .
( وَالْيَسَعَ ) كَانَ حَرْفُ التَّعريفِ دَخَلَ على " يَسَع " ، وقُرئ : " واللَّيسَع " ( 3 )
كانَ حَرْفُ التَّعريفِ دَخَلَ علَى " الْيسَع " فَيْعَلُ من " اللَّسَع " ، والتَّنوينُ في ( وَكُلٌّ )
عِوَضٌ عن المُضَافِ إليهِ ، أي : وَكُلُّهُم من الأَخْيارِ .
( هذَا ذِكْرٌ ) أي : نَوعٌ من الذِّكْرِ وهو القُرآنُ ، ولمَّا أَجْرى ذِكْرَ الأنبياءِ وأتمّه
قَالَ : ( هذَا ذِكْرٌ ) كَمَا يُقَالُ : هذا بَابٌ ، ثمَّ ذَكَرَ عَقيبَهُ الجنَّةَ وأَهْلَها فَقَالَ : ( وَإنَّ
لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآب ) أي : حُسْنَ مُنْقَلب ومَرْجِع ، ولمَّا أَتَمَّ ذِكْرَ الجنَّةِ وأَرادَ أَن
يُعَقِّبَهُ بذِكْرِ أَهلِ النَّارِ قَالَ : ( هذَا وَإنَّ لِلطَّغِينَ لَشَرَّ مَآب ) ، وقيلَ : معناهُ : هذا ذِكرٌ
جميلٌ وشَرفٌ يُذْكَرونَ به أَبَداً ( 4 ) . وعن ابن عبّاس : هذا ذِكْرُ مَن مَضَى من
هامش
( 1 ) وهي قراءة نافع وحده . راجع المصدر السابق .
( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 99 .
( 3 ) أي بلامين الأُولى ساكنة والثانية مفتوحة مشدّدة مع إسكان الياء ، قرأه حمزة والكسائي .
راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 404 .
( 4 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 100 .