ظَاهِرَاً ، وهو اشتغالُ نبيِّ الله بأَمر الدُّنيا حتَّى تَفُوتَهُ الصَّلاةُ عن وَقْتِها . وقيلَ : إنَّما
ذَبَحَها تَقَرُّباً إلى اللهِ تعالى ليتصدَّقَ بلحُومِها ( 1 ) ، وقيلَ : معناهُ : أنَّهُ سَأَلَ اللهَ تعالى أن
يَردَّ الشَّمسَ عليهِ فَرَدَّها عليهِ حتَّى صلَّى العَصْرَ ، والهاءُ في ( رُدُّوهَا ) للشَّمس ( 2 ) .
( فَتَنَّا سُلَيْمَنَ ) اختَبَرْنَاهُ وشَددنَا المحنة عليهِ ، واختُلِفَ في الجَسَدِ الذي
ألْقِيَ على كرسيِّه ، فقيلَ : إنَّهُ قَالَ ذاتَ يوم : لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ على سبعينَ امرأةً ، تَلِدُ كلُّ
امرأة منهنَّ غلاماً ، يضربُ بالسَّيفِ في سبيلِ اللهِ ، ولم يَقُلْ إنْ شاءَ الله ، فَطَافَ
عليهنَّ فَلَمْ تحملْ منهنَّ إلاَّ امرأةٌ واحدةٌ وجاءَتْ بشقِّ وَلَد ، فهو الجَسَدُ الَّذي أُلِقيَ
على كرسيّه ( 3 ) . وَرُوِيَ أنَّ النبيَّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قَالَ " والَّذي نفسُ محمَّد بيدِهِ لَوْ قَالَ : إن
شاء الله لَجَاهَدُوا في سبيل اللهِ فُرْسَاناً " ( 4 ) ، ( ثُمَّ أَنَابَ ) إلى اللهِ وفَزَعَ إلى الصَّلاةِ
والدُّعاءِ على وجهِ الانقِطَاعِ إلَى اللهِ سبحانَهُ ، وقيلَ : إنَّهُ وُلِدَ له ابنٌ فاستَرضَعَهُ في
المُزْنِ - وهو السَّحاب - إشْفَاقَاً عليه من كَيْدِ الشَّيطانِ ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلاَّ وقد وُضِعَ على
كرسيِّهِ ميِّتاً ، تنبيهاً لَهُ على أنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ من القَدَر ( 5 ) .
قدَّم الاستغفارَ علَى استيهابِ المُلْكِ جَرْيَاً على عادةِ الأنبياءِ في تقديمِ أَمْرِ
الدِّينِ عَلَى أُمورِ الدُّنيا ( مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِى ) أي : لا يَتَكوَّنُ ولا يَتَسَهَّلُ ، ومعنى ( مِنْ
بَعْدِي ) : دوني ، طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ سُبحانَهُ مُلْكاً زائِداً على المَمَالِكِ ، زيادةً تَبلُغُ حدَّ
الإِعْجَازِ ، ليكونَ دليلاً على صحَّة نبوَّتِهِ ، فذلكَ معنى قَولِهِ : ( لاَ يَنْبَغِى لأِحَد مِنْ
هامش
( 1 ) قاله الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 92 .
( 2 ) وهو قول البغوي في تفسيره : ج 4 ص 61 .
( 3 ) قاله أنس . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 96 .
( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه : ج 3 ص 1275 ح 1654 وما بعده ، والنسائي في سننه : ج 7
ص 25 عن أبي هريرة مرفوعاً .
( 5 ) قاله الشعبي كما في تفسير الماوردي : ج 5 ص 96 .