عن ذِكْرِ ربِّي ، والخَيرُ : المالُ كما في قَولِهِ : ( وَإنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) ( 1 ) وقَولِهِ :
( إنْ تَرَكَ خَيْراً ) ( 2 ) . والمالُ هنا : الخَيلُ الّتي شَغَلَتْهُ ، وسمَّى الخَيْلَ خَيْراً كأنَّهَا نَفْسُ
الخَيرِ لِتَعَلُّقِ الخَيْرِ بهَا ، كقَولِهِ ( عليه السلام ) : " الخيلُ معقُودٌ بِنَواصِيهَا الخَير إلى يومِ
القيامة " ( 3 ) .
وقَالَ ( عليه السلام ) في زَيْدِ الخَيلِ حينَ وَفَدَ عليه وأَسْلَمَ : " أَنتَ زَيدُ الخَيْرِ " ( 4 ) .
( حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) الضَّميرُ للشَّمسِ أي : غَربَتْ ، وهو مَجَازٌ عن تَواري
المَلِكِ بحجابِهِ ، ويَدُلُّ عليه مرورُ ذِكْر " العشيِّ " ، ولا بُدَّ للمضْمَر من جَرْي ذِكْر أَو
دليلِ ذِكْر ، وقيلَ : الضَّمير ل ( الصَّفِنَتِ ) أي : حتَّى تَوارَت بحجابِ اللَّيلِ يعني :
الظَّلام ( 5 ) . ( فَطَفِقَ مَسْحاً ) أي : فجَعَلَ يَمْسَحُ مَسْحَاً ، أي : يمسحُ بالسَّيفِ سُوقَها
وأَعناقَها يعني : يُقَطِّعُها ، يُقالُ : مَسَحَ علاوَتَه : إذا ضَرَبَ عُنُقَهُ ، ومَسَحَ المِسْفَرُ
الكتابَ إذا قَطَعَ أَطْرافَهُ بسيفهِ ، وقيلَ : مَسَحَها بيدهِ استحساناً لَهَا وإعْجَابَاً بها ثمَّ
جَعَلَهَا مسبَّلَةً في سبيلِ الله ( 6 ) ؛ والسُّوقُ : جَمْعُ السَّاقِ ، كأُسُد في جَمْعِ الأَسَدِ ،
واتَّصلَ قَولُهُ : ( رُدُّوهَا عَلَىَّ ) بمحذُوف تقديرُهُ : " قَالَ : ردُّوهَا عَلَيَّ " ، فأُضْمِرَ ما هو
جوابٌ لَهُ ، كأنَّ قَائلاً قَالَ : فماذا قَالَ سليمانُ ؟ لأنَّهُ موضِعٌ مُقْتَض للسُّؤَال اقتضَاءً
هامش
( 1 ) العاديات : 8 .
( 2 ) البقرة : 180 .
( 3 ) أخرجه أحمد في مسنده : ج 2 ص 13 و 28 ، ومالك في موطّئه : ج 2 ص 467 بالاسناد عن
ابن عمر .
( 4 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 92 . وزيد هذا هو زيد بن مهلهل بن يزيد الطائي
من الشعراء الفرسان المخضرمين قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله
ورسوله : الأناة والحلم " أصابته الحمى فمات في أثرها . أُنظر الأغاني لأبي فرج الإصفهاني :
ج 6 ص 46 وما بعده .
( 5 ) حكاه ابن عيسى كما في تفسير الماوردي : ج 5 ص 93 .
( 6 ) قاله ابن عبّاس . راجع التبيان : ج 8 ص 561 .