( يُسَبِّحْنَ ) حَالٌ ، واختيرَ على " مسبِّحَات " وإنْ كانَ في معنَاهُ لِيَدُلَّ على
حدوثِ التَّسبيحِ من الجبالِ حَالاً بَعْدَ حَال . وكانَ داودُ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجبالُ
بالتَّسبيحِ ، واجتَمَعَتْ إليهِ الطيرُ فَسَبَّحَتْ ، فَذلِكَ حَشْرُهَا : كلُّ واحد من الجبالِ
والطَّيْرِ ( لَهُ ) لأَجْل داودَ ، اي : لأَجْلِ تَسبيحِهِ ؛ لأنَّهَا كانَتْ تُسَبِّحُ بتَسْبيحِهِ وُضِعَ
" الأوَّاب " مَوضِعَ " المُسَبِّح " إمَّا لأنّها كانَتْ تُرجِّعُ التَّسبيحَ ، والمُرجِّعُ : رَجَّاعٌ لأنَّهُ
يَرْجعُ إلى فِعْلِهِ رجُوعَاً بَعْدَ رجُوع ، وإمَّا لأنَّ " الأوَّاب " وهو التَّوَّابَ يكْثِرُ الرُّجُوعَ
إلى مَرْضَاةِ اللهِ ويُديمُ تَسبيحَهُ وذِكْرَه ، وقيلَ : الضَّميرُ في ( لَهُ ) " للهِ " أي : كُلٌّ مِن
داودَ والجبالِ والطَّيْرِ للهِ مسبِّحٌ يُرجِّعُ التَّسبيح ( 1 ) .
( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ) قوَّينَاهُ ( وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ ) وَهِيَ الزَّبُورُ وعِلْمُ الشَّرائعِ ،
وقيلَ : كلُّ كلام وافَقَ الحقَّ فَهُو حِكْمة ( 2 ) ، و ( فَصْلَ الْخِطَابِ ) فَصْلٌ بمعنى :
مَفْصُولٌ ك " ضَرْبِ الأَمير " ، وهو الكَلامُ البيِّنُ المُلَخَّصُ الَّذي تَبيَّنَهُ مَن يُخاطَبُ بهِ
ولا يَلْتَبِسُ عليهِ ، أَو بمعنى : " فَاصِلٌ " ك " صوم " و " زور " ، أي : الفَاصِلُ من
الخطابِ الذي يَفْصُلُ بين الحقِّ والبَاطِلِ ، والصَّحيحِ والفَاسِدِ ، وهو كَلامُهُ في
القَضَايا والحكُوماتِ وتَدابِير الْمُلْكِ . وعن عليٍّ ( عليه السلام ) : هو قَولُهُ : " البيِّنةُ علَى المُدَّعي
واليَمينُ عَلَى المدَّعى عليه " ( 3 ) ، وهو من الفَصْلِ بين الحقِّ والباطلِ ، ويَدخُلُ فيهِ
قَولُ بَعضِهِم : هو قَولُهُ : " أمَّا بَعْد " .
( وَهَلْ أَتكَ نَبَؤُاْ الْخَصْمِ ) ظاهِرُهُ الاستفهامُ ، وَمَعْنَاهُ : الدَّلالةُ على أنَّهُ من
الأنباءِ العَجِيبَةِ التي حَقُّها أن لا تُخفَى ، والخَصْمُ : الخُصَمَاءُ ، وهُوَ يَقَعُ علَى الواحدِ
هامش
( 1 ) قاله الجبائي . راجع التبيان : ج 8 ص 550 .
( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 80 .
( 3 ) رواه عنه ( عليه السلام ) الزمخشري في الكشّاف .