ورُوِيَ : أنَّه ( عليه السلام ) استَعبَرَ ثمَّ قَالَ : يا عمّ ، واللهِ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمسُ في يميني
والقَمَرُ في شمالي ما تَرَكْتُ هذا القَولَ حتَّى أُنْفِذَهُ أو أُقْتَلَ دُونَه ، فَقَالَ له أبو طالب :
امْضِ لأَمْركَ ، فوالله لا أَخْذُلكَ أَبَداً ( 1 ) .
و ( أنِ ) هي المفسِّرةٌ بمعنى : " أي " ، لأنَّ انطلاقَهُم من مجلسِ التّقاولِ يَتَضَمَّنُ
معنَى القَولِ ( إنَّ هذا ) الأَمرَ ( لَشَىْءٌ يُرَادُ ) أي : يريدُهُ الله تعالى وما أرادَ اللهُ كونَهُ
فَلاَ مَرَدَّ لَه ، ولا يُنفَعُ فيه إلاَّ الصَّبْرُ ، وقيلَ : معنَاهُ : أنَّ هذا الأمرَ الذي نَراهُ من زيَادةِ
أَصحابِ محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لَشَيءٌ من نَوائبِ الدَّهْر يُرادُ بنَا ولا انفكاكَ لَنَا منه ( 2 )
ومعنى ( وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ) : اصبروا على عبادتها والتَّمسُّك بها حتَّى
لا تزالوا عنها .
( مَا سَمِعْنَا بِهذَا ) في ملَّةِ عيسى الَّتيِ هي آخرُ المِلَلِ ، لأنَّ النَصَارى يقولُونَ :
ثَالِثُ ثَلاثة ولا يُوحِّدونَ ، أو : في ملَّةِ قُريش التي أَدْرَكْنَا عَلَيْهَا آباءَنا ، أو : ما سَمِعْنَا
بهذا كائِناً في الملَّةِ الآخرةِ ، على أن يكون ( في الْمِلَّةِ الآخِرَةِ ) حالاً من ( هذَا )
فَلاَ يَتَعلَّقُ ب ( مَا سَمِعْنَا ) كما في الوجهَيْنِ ، والمعنى : أنَّا لَمْ نَسمَعْ من أَهلِ الكتابِ
ولا الكُهَّانِ أنَّهُ يَحْدُثُ التَّوحيدُ في الملَّةِ الآخرةِ . مَا ( هذَا إِلاَّ اخِتِلَقٌ ) أي : افْتِعَالٌ
وكَذِبٌ .
ثمَّ أَنكرُوا أَن يخْتَصَّ ( عليه السلام ) بشرفِ النُّبوةِ من بين رؤسائِهِم ، وَيْنزِلَ عَلَيْهِ الكتابُ
دونهم ( بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِّن ) القُرآنِ المُنْزَلِ ، وَوَصْفُهُمْ له بالاختلاقِ مُخالفٌ
لاعتقادِهِم فيه ، وإنَّما يقُولُونَه على سَبيل الحَسَد ( بَلْ ) لَمْ ( يَذُوقُواْ ) عَذَابي بَعْدُ ،
فإذا ذَاقُوهَ زَالَ عنهم ما بِهِم من الشَّكِّ والحَسَد .
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في دلائل النبوة : ج 2 ص 187 .
( 2 ) قاله البغوي في تفسيره : ج 4 ص 49 .