( بَلِ الَّذينَ كَفَرُواْ ) من أَهلِ مكَّةَ ( في عِزَّة ) أي : في تَكَبُّر عن قبولِ الحقِّ
( وَشِقَاق ) وخِلاَف وعَدَاوة شَديدة .
( كَمْ أَهْلَكْنَا ) وَعيدٌ لِذُوي العزَّةِ والشِّقاق ( فَنَادَوا ) فَدَعَوْا واستَغَاثُوا عند
وقوعِ الهَلاَكِ بِهِم ( وَلاَتَ ) هي لاَءُ المشبَّهة ب " ليسَ " ، زِيدَتْ عليها تَاءُ التَّأْنيثِ
كَمَا زيدَتْ على " رُبَّ " وَ " ثَمَّ " للتّأكيدِ ، وتَغَيَّرَ بذلك حُكْمُهَا حَيثُ لَمْ تَدخُلْ إلاَّ
عَلَى الأَحْيَانِ ، ولَمْ يَبرُزْ إلاَّ اسمُها أَو خبرُهَا وامتَنَعَ بروزُهُما جَميعَاً ، فَتَقديرُهُ :
ولاَتَ الحينُ ( حِينَ مَنَاص ) أَي : وليسَ الحينُ حينَ مَنَاص ، وَلَو رُفِعَ لَكَانَ
تقديرُهُ : ولاَتَ حينُ مناص حَاصِلاً لَهُمْ ، والمَنَاصُ : المَلجَأُ . ( وَقَالَ الْكَفِرُونَ )
ولَمْ يَقُلْ : وقَالُوا ، إظْهاراً للغَضَبِ عليهِم ، ودلالةً على أنَّ هذا القَولَ لا يَجْسرُ عليهِ إلاَّ
الكافِرُ المتَمَادي للكُفْر . ( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلهاً وَحِداً ) ومعنىَ الجَعْلِ : التَصَيُّرُ في القَولِ
على سبيلِ الدَّعْوى ، كأنَّهُم قَالُوا : أَجَعَلَ الجَمَاعَةَ واحِداً في قَولِهِ وزَعْمِهِ : ( إنَّ هذَا
لَشَىْءٌ ) بَليغٌ في العَجَبِ .
و ( الْمَلاَُ ) : أَشْرافُ قُريش ، يُريدُ : وَانْطَلَقُوا عن مَجْلسِ أبي طالب لَمَّا أَتَوهُ
وَهُم خَمسةٌ وعشرونَ رجلاً فِيهِم الوَليدُ بنُ المغيرةِ وهو أَكْبرُهُم ، وأبو جَهْل ، وأُبيُّ
ابنُ خَلَف ، وأَخُوه أُميَّةُ وعتبةُ وشَيبةُ ، والنَّضرُ بنُ الحَارثِ ، فَقَالُوا : أَتَينَاكَ لِتَقْضي
بينَنا وبينَ ابنِ أخيكَ ، فإنَّه سَفَّهَ أَحْلامَنَا وشَتَمَ آلهتَنَا ، فقَالَ أَبو طالب : يا بنَ أَخي ،
هؤلاء قَومُكَ يسألونَكَ فيقولُونَ : دَعْنَا وآلهتنا نَدَعْكَ وإلهكَ ، فقَالَ ( عليه السلام ) : أَتُعْطُوِنَني
كلمةً واحدِةً تَملكُونَ بها العَرَبَ والعَجَمَ ؟ فقَالَ أَبو جَهْل : للهِ أَبوكَ نُعطيكَ ذلكَ
وَعَشْرَ أمثالها ، فَقَالَ : قُولُوا : لا إلهَ إلاَّ الله ، فَقَامُوا قائلين بعضُهُم لبعض : ( امْشُواْ
واصْبِرُواْ ) فَلاَ حيلةً لكم في أمر محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
تفسير جوامع الجامع — صفحة 185
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٨٥