وعن الأخْفَشِ : كلُّ كَأْس في القُرآنِ فَهي الخَمْرُ ( 1 ) ( مِنْ مَّعيِن ) من شَرَاب جَار
في أنهار ظاهرة للعُيُونِ ، وُصِفَ بما يُوصَفُ بِهِ المَاءُ لأنَّهُ يَجْرِي في الجنّةِ كما
يَجْري الماءُ . ( بَيْضَآءَ ) صِفَةٌ للكأْسِ ( لَذَّة ) هي تَأْنيثُ " اللذّ " ووزنُهُ " فَعْلٌ " مثلُ :
" صَبٌّ " و " طِبٌّ " ، وقَالَ يَصِفُ النَّوْمَ :
وَلَذٍّ كَطَعمِ الصّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ * بِأَرْضِ العِدَى مِن خَشْيَةِ الحَدثَانِ ( 2 )
أو : وُصِفَتْ باللذّةِ كَأنَّها نَفْسُ اللذّةِ وذَاتُها . ( لاَ فِيهَا غَوْلٌ ) لا يَغْتَالُ عقُولَهُم
فَتَذْهَبُ بها ، ولا يُصيبُهُم منها وَجَعٌ ( وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ) مِن نَزِفَ الشَّاربُ : إذَا
ذَهَبَ عقْلُهُ ، ويُقَالُ للمطعُونِ إذا خَرَجَ دَمُهُ كلُّه : نَزَفَ فَمَاتَ ، وقُرئ : " يُنْزِفُونَ " ( 3 )
مِن أَنْزَفَ الشَّاربُ : إذَا ذَهَبَ عقلُهُ أو شَرابُهُ ، ومعنَاهُ : صَارَ ذَا نَزف ، ومثلُهُ : أَقْشَعَ
السَّحَابُ وقَشَعَتْهُ الرِّيحُ ، وأَكَبَّ الرَّجلُ وَكَببْتُهُ ، وحقيقتهما : دَخَلاَ في القَشْع والكَبِّ .
( قَصِرَتُ الْطَّرْفِ ) قَصَرْنَ طَرْفَهنَّ على أزواجِهِنَّ فلا يَرَيْنَ غيرَهُم ، أو : لا
يَفْتَحْنَ أَعينَهُنَّ دَلاَلاً ( كَأَنَهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ) في الأَداحي ، وهي بَيضُ النَّعَامِ ،
والعَرَبُ تشبِّهُ بها النّساءَ وتُسَمِّيهنَّ ببيضاتِ الخُدُودِ .
( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ ) معطُوفٌ على ( يُطافُ عَلَيْهِمْ ) والمعنى : يَشْرَبونَ
فَيَتَحادثُونَ على الشَّرابِ فَيُقْبِلُ ( بَعْضُهُمْ على بَعْض يَتَسَآءَلُونَ ) عمَّا جَرَى عليهِم
ولَهُم في الدُّنيا ، إلاَّ أنّهُ جِيءَ بِهِ مَاضِيَاً على عادة الله عزَّ اسمُهُ في إخْبارِهِ . ( قَالَ
قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِي قَرينٌ ) في دارِ الدُّنيا أي : صَاحِبٌ يَخْتَصُّ بي ( يَقُولُ )
هامش
( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 42 .
( 2 ) البيت منسوب لابن الأعرابي ، يقول : وربّ شيء لذيذ - يعني النَّوم - طعمه كطعم الشراب
الطيّب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي . أُنظر لسان العرب : مادّة " لذذ " .
( 3 ) قرأ حمزة والكسائي . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 636 .