والمَثَلُ : " صَدَقَني سِنُّ بَكْرِه " ( 1 ) ، أي : هو الَّذي وَعَدَهُ اللهُ في كُتُبِهِ المُنْزَلَةِ على
أَلْسِنةِ رُسُلِهِ الصَّادقيِنَ ، ولَيسَ بِبَعثِ النّائمِ من مَرقَدِهِ بَل هو البَعْثُ الأكبرُ ، أَي :
لَمْ تكنْ تلكَ المدَّةُ إلاَّ مدَّةَ صَيْحَة واحِدَة ، فإذَا الأوَّلُونَ والآخرونَ مجمُوعُونَ
( لَدَيْنَا ) في عَرَصَاتِ القيامةِ ، مُحَصَّلُونَ في موقفِ الحسَابِ ( فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ
نَفْسٌ شَيْئاً ) .
( إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُل فَاكِهُونَ ) حكايةُ ما يُقالُ لَهُم في ذلك
اليوم ، وفي مثْلِ هذهِ الحكَايةِ تَصويرٌ للموعُودِ ، وتَمكينٌ لَه في النفُوسِ ، وتَرغيبٌ
في الحرْصِ علَى العَمَل بما يُثْمرُهُ ويؤدِّي إليهِ ( فِي شُغُل ) وقُرئ : " فِيَ شُغْل "
بسكُونِ الغينِ ( 2 ) وهُمَا لُغَتان ، أَي : في أيِّ شُغل لا يُحَاطُ بوصْفِهِ ، وهو النَّعيمُ الَّذي
شَملَهُم وشَغَلَهم عمَّا فيه أهلُ النَّار فَلاَ يَذْكُرونَهُم وإنْ كانُوا أَقَارِبَهم ، وقيلَ : شغلُوا
بافتضاضِ العذَارى وباستماعِ الألْحَانِ ( 3 ) . وقُرئ : ( فَاكِهُونَ ) وَ " فَكِهُونَ " ( 4 )
والمعنى واحِدٌ ، أي : متنَعِّمُونَ متَلَذِّذُونَ ، ومِنْهُ الفاكهةُ لأنَّها مِمَّا يُتَلَذَّذُ به ، وقيلَ :
فَرِحُونَ طيِّبو النُّفُوسِ مُعجِبُونَ بما هُم فيهِ من الفَكَاهَةِ وهي المُزَاحُ والأحَاديثُ
الطَّيِّبة ( 5 ) .
هامش
( 1 ) يضرب للرجل يكذب في الأمر يدلّ بعض أحواله على الصدق فيه . وأصله : أنّ رجلاً سَاومَ
رجلاً ببعير فسأل عن سنّه ، فأخبره أنّه بكر - والبكرُ : الفتيُّ - ففرَّ عنه فوجده هرماً فقال :
صدقني سنّ بكره وكذبني هو . راجع جمهرة الأمثال للعسكري : ج 1 ص 575 .
( 2 ) قرأه الحرميان وأبو عمرو . راجع التذكرة في القراءات : ص 631 .
( 3 ) وهو قول ابن مسعود والحسن وسعيد بن جبير وقتادة . راجع تفسير الماوردي : ج 5
ص 24 .
( 4 ) قرأه ابن مسعود والسلمي وأبو المتوكل وقتادة وأبو الجوزاء والنخعي وأبو جعفر المدني .
راجع تفسير القرطبي : ج 15 ص 44 .
( 5 ) قاله ابن عباس ومجاهد . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 25 .