ثمَّ مَثَّلَ تَصمِيمَهم علَى الكُفر بأَنْ جَعَلَهم كالمغلُولينَ الْمُقْمَحِينَ ، في أنَّهم لا
يَلتفِتُونَ إلى الحقِّ ولا يَعطِفُونَ أعناقَهُم نَحوَهُ ، وكالحَاصلينَ بينَ سَدَّيْن . ( لاَ
يُبْصِرُونَ ) ما بينَ أَيْدِيِهمْ وَمَا خَلْفَهُمْ في أَن لا تَأَمُّلَ لَهُم ولا استبصَار ( فَهِيَ إلَى
الأذْقَانِ ) مَعناهُ : فالأَغْلالُ وَاصِلةٌ إلى الأذقانِ ، فَلاَ تُخلِّيهِ يُطَأْطِئ رأسَهُ فَلاَ يزال
مُقْمَحَاً ، وهو الّذي يرفعُ رأْسَهُ ويَغُضُّ بَصَرَه ، ويقالُ : قَمَحَ البعيرُ : إذا رَفَعَ رأْسَهُ ولَم
يَشْربِ الماءَ ، وأَقْمَحْتُها أَنَا ، وَبعيرٌ قَامِحٌ ، وإِبِلٌ قِمَاحٌ ، قالَ الشَاعرُ يَصِفُ سفينةً :
ونَحنُ على جَوانِبِها قعُودٌ * نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإِبِلِ القِمَاحِ ( 1 )
وعن ابن عبّاس : أنَّ المعنيَّ بذلكَ نَاسٌ من قُريش هَمُّوا بقَتْلِ النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فَلَمْ
يَستطيعُوا أن يَبسطُوا إليهِ يَدَاً ، وَخَرَجَ إليهِم وَطَرَحَ التُرابَ على رؤوسِهِم وهُم لا
يُبصرونَه ( 2 ) . وعلى هذا فَيكُونُ معنى " السَّدَّيْنِ " أنَّهُ جَعَلَهُم لا يُبصِرونَهُ ، ومعنى
( فَأَغْشَيْنَاهُمْ ) : جَعَلْنا على أَبْصارِهِم غِشَاوةً وحُلْنا ( 3 ) بينَهم وَبينَه .
( إِنَّما تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة
وَأَجْر كَرِيم ( 11 ) إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ وَكُلَّ
شَىْء أَحْصَيْنَهُ فِي إِمَام مُّبِين ( 12 ) وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ
جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِث
فَقَالُواْ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ( 14 ) قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ
الرَّحْمَنُ مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ( 15 ) قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ
لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ ( 17 ) قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَبِن
هامش
( 1 ) البيت منسوب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي . راجع مجاز القرآن : ج 2 ص 175 .
( 2 ) حكاه عنه ابن مردويه كما في الدر المنثور : ج 7 ص 44 .
( 3 ) في نسخة : " وجعلناه " .