أنتم صرف العذاب عنكم ، وقيل : الصرف : التوبة ( 1 ) ، وقيل : الحيلة ( 2 ) من قولهم :
إنه ليتصرف ، أي : ليحتال ، والياء على : فما يستطيع آلهتكم ذلك * ( نذقه عذابا
كبيرا ) * في الآخرة ، والكافر ظالم لقوله : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( 3 ) .
والجملة بعد * ( إلا ) * صفة لمحذوف ، والمعنى : وما أرسلنا أحدا من المرسلين
إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف لدلالة الجار والمجرور عليه ، ونحوه : * ( وما منا
إلا له مقام معلوم ) * ( 4 ) أي : وما منا أحد ، وروي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
" ويمشون " على البناء للمفعول ( 5 ) أي : يمشيهم حوائجهم أو الناس * ( فتنة ) * أي :
محنة وابتلاء ، وهذا تسلية لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتصبير له على ما قالوه واستبدعوه من
أكله الطعام ومشيه في الأسواق ، يعني : إنا نبتلي المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع
أذاهم . وموقع قوله : * ( أتصبرون ) * بعد ذكر الفتنة موقع " أيكم " بعد الابتلاء في
قوله : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) * ( 6 ) ، * ( وكان ربك بصيرا ) * أي : عالما
بالصواب فيما يبتلى به وغيره ، فلا يضيقن صدرك بأقوالهم واصبر ، وقيل : هو
تسلية له عما عيروه به من الفقر حين قالوا : * ( أو يلقى إليه كنز أو تكون له
جنة ) * ( 7 ) أي : جعلنا الأغنياء فتنة للفقراء لننظر هل يصبرون ، وقيل : جعلناك فتنة
لهم لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا
أو ممزوجة بها ، فبعثناك فقيرا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا من غير طمع
وغرض دنيوي ( 8 ) ، وقيل : كان أبو جهل وأضرابه يقولون : إن أسلمنا وقد أسلم
هامش
( 1 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 3 ص 271 .
( 2 ) حكاه ابن قتيبة ، نقله عنه الماوردي في تفسيره : ج 4 ص 138 .
( 3 ) لقمان : 13 .
( 4 ) الصافات : 164 .
( 5 ) تفسير القرطبي : ج 13 ص 13 .
( 6 ) هود : 7 ، والملك : 2 .
( 7 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 3 ص 272 ، والآية : 8 من هذه السورة .
( 8 ) قاله ابن عطية . راجع تفسير الآلوسي : ج 18 ص 255 .