وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز - وهو دم القراد مع الصوف - جاء أبو
سفيان بن حرب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال له : أنشدك بالله والرحم ، ألست تزعم
أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ فقال : " بلى " ، قال : قتلت الآباء بالسيف ، والأبناء
بالجوع . والمعنى : لو كشف الله تعالى عنهم هذا الضر وهو الهزال والقحط الذي
أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب لرجعوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار ،
ولتمادوا في غوايتهم يترددون . واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم بالسيوف ، وبما
جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم ، فما وجدت منهم بعد ذلك
استكانة ولا تضرع ، حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو آلم ( 1 ) العذاب وأشد
من الأسر والقتل ، فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم ، وجاء أعتاهم في العناد
والاستكبار يستعطفك ، أو : محناهم بكل محنة من الجوع والقتل فما رئي منهم لين
قياد وهم كذلك حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ " يبلسون " ، كقوله : * ( ويوم تقوم
الساعة يبلس المجرمون ) * ( 2 ) ، والإبلاس : اليأس من كل خير ، وقيل : هو السكوت
مع التحير ( 3 ) ، واستكان : ( 4 ) استفعل من الكون ، أي : انتقل من كون إلى كون ،
كاستحال : إذا انتقل من حال إلى حال ، أو : هو افتعل من السكون أشبعت فتحة
عينه ، كما قيل : . . . بمنتزاح ( 5 ) .
* ( وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما
هامش
( 1 ) في نسخة : " أطم " .
( 2 ) الروم : 12 .
( 3 ) في نسختين : " التحسير " . وهو قول العجاج على ما في تفسير الماوردي : ج 4 ص 302 .
( 4 ) في نسخة زيادة : " هو " .
( 5 ) من قول إبراهيم بن هرمة يرثي ابنه :
فأنت من الفوائل حين ترمى * وعن ذم الرجال بمنتزاح
انظر الخصائص لابن جني : ج 2 ص 316 وج 3 ص 121 .