والري والكسوة والكن ( 1 ) هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان ، فذكر
سبحانه استجماعها له في الجنة ، وأنه لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب
كاسب كما أن أهل الدنيا يحتاجون إلى ذلك ، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي
الجوع والعري والظمأ والضحي ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره
منها حتى يتحرز عن السبب الموقع فيها كراهة لها .
* ( فوسوس إليه الشيطان ) * أي : أنهى ( 2 ) إليه الوسوسة كما يقال : أسر إليه ،
وأضاف ال * ( شجرة ) * إلى * ( الخلد ) * وهو الخلود ، لأن من أكل * ( منها ) * خلد بزعمه .
وطفق يفعل كذا مثل : جعل يفعل ، وأخذ يفعل ، وحكمها حكم " كاد " في أن
خبرها الفعل المضارع ، وهي للشروع في أول الأمر ، و " كاد " للدنو من الأمر
* ( يخصفان عليهما ) * أي : يلزقان بسوءاتهما * ( من ورق الجنة ) * للتستر ، وهو ورق
التين * ( وعصى آدم ربه ) * أي : خالف ما أمره به ربه ، والمعصية : مخالفة الأمر ،
سواء كان الأمر واجبا أو ندبا * ( فغوى ) * أي : فخاب من الثواب الذي كان يستحقه
على فعل المأمور به ، أو خاب مما كان يطمع فيه بأكل الشجرة من الخلود ،
ويستشهد على ذلك بقول الشاعر :
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ( 3 )
* ( ثم اجتباه ربه ) * أي : اصطفاه ربه وقربه إليه ، من قولهم : جبى إلي كذا
فاجتبيته * ( فتاب عليه ) * أي : قبل توبته وهداه إلى ذكره ، وقيل : هداه للكلمات التي
تلقاها منه ( 4 ) . ولما كان آدم وحواء أصلي البشر جعلا كأنهما البشر ، فخوطبا
هامش
( 1 ) الكن : البيت ، والجمع : أكنان وأكنة . ( لسان العرب : مادة كنن ) .
( 2 ) الانهاء : الإبلاغ . ( الصحاح : مادة نهى ) .
( 3 ) والبيت للمرقش الأصغر . تقدم شرحه وبيان معناه .
( 4 ) قاله السمرقندي في تفسيره : ج 2 ص 357 .