رؤوسهم مقدار عسكرهم ، وكان فرسخا في فرسخ ، وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها
وإلا ليقعن عليكم ، فلما نظروا إلى الجبل خروا سجدا على أحد شقي وجوههم
ينظرون إلى الجبل فرقا ( 1 ) من سقوطه ( 2 ) * ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) * على إرادة
القول ، أي : وقلنا : خذوا ، أو قائلين : خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة أي : بجد
وعزم على احتمال تكاليفه * ( واذكروا ما فيه ) * من الأوامر والنواهي ولا تنسوه .
* ( وإذ أخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على
أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن
هذا غافلين ( 172 ) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من
بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ( 173 ) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم
يرجعون ) * ( 174 )
وقرئ : " ذرياتهم " ( 3 ) ، ومن أفرد فللاستغناء عن جمعه لوقوعه على الجمع ،
ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( وكنا ذرية من بعدهم ) * ، * ( من ظهورهم ) * بدل من * ( بني آدم
) * بدل البعض من الكل ، ومعنى أخذ ذرياتهم من ظهورهم : إخراجهم من
أصلابهم ، وقوله : * ( وأشهدهم على أنفسهم ) * وقوله : * ( ألست بربكم قالوا بلى
شهدنا ) * من باب التمثيل ، والمعني في ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ،
وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهداية ، فكأنه
* ( أشهدهم على أنفسهم ) * وقررهم وقال لهم : * ( ألست بربكم ) * ، وكأنهم * ( قالوا
بلى ) * أنت ربنا * ( شهدنا ) * على أنفسنا وأقررنا بربوبيتك * ( أن تقولوا ) * مفعول له ،
هامش
( 1 ) فرق : فزع . ( لسان العرب : مادة فرق ) .
( 2 ) راجع قصة موسى ( عليه السلام ) وقومه في تاريخ الطبري : ج 1 ص 270 - 303 .
( 3 ) وهي قراءة نافع وابن عامر والبصريان ( أبو عمرو ويعقوب ) . راجع كتاب السبعة في
القراءات لابن مجاهد : ص 298 ، والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 428 .