كان النبي ( ص ) يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه ، وانهم يسلمون عليه حين دخول المسجد
والخروج منه ، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته ، وما أحسن ما قال
مالك : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم
بعهود أنبيائهم ، ونقص إيمانهم ، عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره لهذا
كرهت الأمة استلام القبر وتقبيله . وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه ، قال :
وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي وصاحبيه ثم أراد أن يدعو
أن ينصرف فيستقبل القبلة ، وكذلك أنكر ذلك من العلماء المتقدمين كما لك وغيره ، ومن
المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي ، وما أحفظ لاعن صحابي
ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شئ من القبور للدعاء عنده ،
ولا روى أحد في ذلك شيئا ، لا عن النبي ( ص ) . ولا عن أصحابه ولا عن أحد من
الأئمة المعروفين ، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار ، فما
ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عندها شئ من القبور حرفا واحدا فيما أعلم ، فكيف
يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل ، والسلف تنكره ولا تعرفه
وتنهى عنه ولا تأمر به ! ؟ قال :
وقد أوجب اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله أن تنتاب لذلك وتقصد ، وربما
اجتمع عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة . وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي ( ص )
بقوله : ( لا تتخذوا قبري عيدا ) . قال : حتى إن بعض القبور يجتمع عندها في يوم
من السنة ، ويسافر إليها إما في المحرم أو رجب أو شعبان أو ذي الحجة أو غيرها .
وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء ، وبعضها في يوم عرفة ، وبعضها في النصف
من شعبان . وبعضها في وقت آخر . بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه . ويجتمع
عندها فيه . كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى في أيام معلومة من السنة ، وكما يقصد مصلى المصر
يوم العيدين . بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم وأشد ومنها
ما يسافر إليه من الأمصار في وقت معين ، أو وقت غير معين لقصد الدعاء عنده والعبادة
هناك ، كما يقصد بيت الله الحرام لذلك وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافا
في النهي عنه . قال :
أحكام الجنائز — صفحة 222
مساهمون: محمد ناصر الدين الألباني
ص٢٢٢