لا يخفى عليه من ذلك خافية ويعلم ما تسرون أيها الناس بينكم من قول وعمل وما
تعلنون من ذلك فتظهرونه والله عليم بذات الصدور يقول جل ثناؤه : والله ذو علم
بضمائر صدور عباده ، وما تنطوي عليه نفوسهم ، الذي هو أخفى من السر ، لا يعزب عنه
شئ من ذلك . يقول تعالى ذكره لعباده : احذروا أن تسروا غير الذي تعلنون ، أو تضمروا
في أنفسكم غير ما تبدونه ، فإن ربكم لا يخفى عليه من ذلك شئ ، وهو محص جميعه ،
وحافظ عليكم كله . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ئ ذلك بأنه
كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني
حميد ) * .
يقول تعالى ذكره لمشركي قريش : ألم يأتكم أيها الناس خبر الذين كفروا من قبلكم ، وذلك كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط فذاقوا وبال أمرهم فمسهم عذاب
الله إياهم على كفرهم ولهم عذاب أليم يقول : ولهم عذاب مؤلم موجع يوم القيامة في
نار جهنم ، مع الذي أذاقهم الله في الدنيا وبال كفرهم .
وقوله : ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات يقول : جل ثناؤه : هذا الذي نال
الذين كفروا من قبل هؤلاء المشركين من وبال كفرهم ، والذي أعد لهم ربهم يوم القيامة من
العذاب ، من أجل أنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات الذي أرسلهم إليهم ربهم بالواضحات
من الأدلة والاعلام على حقيقة ما يدعونهم إليه ، فقالوا لهم : أبشر يهدوننا ؟ استكبارا منهم
أن تكون رسل الله إليهم بشرا مثلهم واستكبارا عن اتباع الحق من أجل أن بشرا مثلهم دعاهم
إليه وجمع الخبر عن البشر ، فقيل : يهدوننا ، ولم يقل : يهدينا ، لان البشر ، وإن كان في
لفظ الواحد ، فإنه بمعنى الجميع .
وقوله : فكفروا وتولوا يقول : فكفروا بالله ، وجحدوا رسالة رسله الذين بعثهم الله
إليهم استكبارا وتولوا يقول : وأدبروا عن الحق فلم يقبلوه ، وأعرضوا عما دعاهم إليه
رسلهم واستغنى الله يقول : واستغنى الله عنهم ، وعن إيمانهم به وبرسله ، ولم تكن به
إلى ذلك منهم حاجة والله غني حميد يقول : والله غني عن جميع خلقه ، محمود عند
جميعهم بجميل أياديه عندهم ، وكريم فعاله فيهم . القول في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 154
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٥٤