اختلفت القراء في قراءة قوله : أسوة فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار : إسوة بكسر
الألف ، خلا عاصم بن أبي النجود ، فإنه قرأه بالضم : أسوة . وكان يحيى بن وثاب
يقرأ هذه بالكسر ، ويقرأ قوله لقد كان لكم فيهم أسوة بالضم ، وهما لغتان . وذكر أن
الكسر في أهل الحجاز ، والضم في قيس . يقولون : أسوة ، وأخوة . وهذا عتاب من الله
للمتخلفين عن رسول الله ( ص ) وعسكره بالمدينة ، من المؤمنين به . يقول لهم جل ثناؤه : لقد
كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، أن تتأسوا به ، وتكونوا معه حيث كان ، ولا تتخلفوا
عنه . لمن كان يرجو الله يقول : فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب
بنفسه ، ولكنه تكون له به أسوة في أن يكون معه حيث يكون هو . وبنحو الذي قلنا في ذلك
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
21663 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن
رومان ، قال : ثم أقبل على المؤمنين ، فقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن
كان يرجو الله واليوم الآخر أن لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ولا عن مكان هو به . وذكر
الله كثيرا يقول : وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء .
وقوله : ولما رأى المؤمنون الأحزاب يقول : ولما عاين المؤمنون بالله ورسوله
جماعات الكفار قالوا تسليما منهم لأمر الله ، وإيقانا منهم بأن ذلك إنجاز وعده لهم ، الذي
وعدهم بقوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم . . .
إلى قوله قريب هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، فأحسن الله عليهم
بذلك من يقينهم ، وتسليمهم لامره الثناء ، فقال : وما زادهم اجتماع الأحزاب عليهم إلا
إيمانا بالله وتسليما لقضائه وأمره ، ورزقهم به النصر والظفر على الأعداء . وبالذي قلنا في
ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
21664 - حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ،
عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ولما رأى المؤمنون الأحزاب . . . الآية قال : ذلك أن
الله قال لهم في سورة البقرة أم حسبتم أن تدخلوا الجنة . . . إلى قوله إن نصر الله
قريب قال : فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق ، تأول المؤمنون ذلك ،
ولم يزدهم ذلك إلا إيمانا وتسليما .
21665 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 173
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٧٣