علمت أن قول القائل : لم أكد أرى فلانا ، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدة ،
ومن دون الظلمات التي وصف في هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فيه ، فكيف
فيها ؟ قيل : في ذلك أقوال نذكرها ، ثم نخبر بالصواب من ذلك . أحدها : أن يكون معنى
الكلام : إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها أي لم يعرف من أين يراها . والثاني : أن يكون
معناه : إذا أخرج يده لم يرها ، ويكون قوله : لم يكد في دخوله في الكلام ، نظير
دخول الظن فيما هو يقين من الكلام ، كقوله : وظنوا ما لهم من محيص ونحو ذلك .
والثالث : أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد ، كما يقول القائل لآخر : ما كدت أراك من
الظلمة ، وقد رآه ، ولكن بعد إياس وشدة . وهذا القول الثالث أظهر معاني الكلمة من جهة
ما تستعمل العرب أكاد في كلامها . والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم
يرها ، قول أوضح من جهة التفسير ، وهو أخفى معانيه . وإنما حسن ذلك في هذا الموضع ،
أعني أن يقول : لم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر لان ذلك مثل لا خبر عن كائن كان .
ومن لم يجعل الله له نورا يقول : من من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ومعرفة
بكتابه ، فما له من نور يقول : فما له من إيمان وهدى ومعرفة بكتابه . القول في تأويل
قوله تعالى :
* ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته
وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ئ ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير ) * .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يصلي
له من في السماوات والأرض من ملك وإنس وجن . والطير صافات في الهواء أيضا
تسبح له . كل قد علم صلاته وتسبيحه والتسبيح عندك صلاة ، فيقال : قيل : إن
الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق ، ولذلك فصل فيما بين ذلك .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 202
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٠٢