تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، من فضله ، فيفضل عليهم عن عنده بما أحب من كرامته لهم . وقوله : والله يرزق من يشاء بغير حساب يقول تعالى ذكره : يتفضل على من شاء وأراد من طوله وكرامته ، مما لم يستحقه بعمله ولم يبلغه بطاعته بغير حساب يقول : بغير محاسبة على ما بذل له وأعطاه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) * . وهذا مثل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به ، فقال : والذين جحدوا توحيد ربهم وكذبوا بهذا القرآن وبمن جاء به ، مثل أعمالهم التي عملوها كسراب يقول : مثل سراب ، والسراب : ما لصق بالأرض ، وذلك يكون نصف النهار وحين يشتد الحر . والآل ما كان كالماء بين السماء والأرض ، وذلك يكون أول النهار ، يرفع كل شئ ضحى . وقوله : بقيعة وهي جمع قاع ، كالجيرة جمع جار ، والقاع : ما انبسط من الأرض واتسع ، وفيه يكون السراب . وقوله : يحسبه الظمآن ماء يقول : يظن العطشان من الناس السراب ، ماء . حتى إذا جاءه والهاء من ذكر السراب ، والمعنى : حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسا ماء يستغيث به من عطشه لم يجده شيئا يقول : لم يجد السراب شيئا ، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه ، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب فظنه ماء يرويه من ظمئه حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله ، لم يجده ينفعه شيئا لأنه كان عمله على كفر بالله ، ووجد الله هذا الكافر ند هلاكه بالمرصاد ، فوفاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه . فإن قال قائل : وكيف قيل : حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فإن لم يكن السراب شيئا ، فعلام أدخلت الهاء في قوله : حتى إذا جاءه ؟ قيل : إنه شئ يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد والهباء ، فإذا قرب منه المرء رق وصار كالهواء . وقد يحتمل أن يكون معناه : حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا ، فاكتفى بذكر السراب من ذكر موضعه . والله سريع الحساب يقول : والله سريع حسابه لأنه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا حفظ بقلب ، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد ومن بعد ما عمله .