وقال آخرون في ذلك بما :
17956 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ما
بين أيدينا قال : ما مضى أمامنا من الدنيا وما خلفنا ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة
وما بين ذلك قال : ما بين ما مضى أمامهم ، وبين ما يكون بعدهم .
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يتأول ذلك له ما بين أيدينا قبل أن نخلق
وما خلفنا بعد الفناء وما بين ذلك حين كنا .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : معناه : له ما بين
أيدينا من أمر الآخرة ، لان ذلك لم يجئ وهو جاء ، فهو بين أيديهم ، فإن الأغلب في
استعمال الناس إذا قالوا : هذا الامر بين يديك ، أنهم يعنون به ما لم يجئ ، وأنه جاء ،
فلذلك قلنا : ذلك أولى بالصواب . وما خلفنا من أمر الدنيا ، وذلك ما قد خلفوه فمضى ،
فصار خلفهم بتخليفهم إياه ، وكذلك تقول العرب لما قد جاوزه المرء وخلفه هو خلفه ،
ووراءه وما بين ذلك : ما بين ما لم يمض من أمر الدنيا إلى الآخرة ، لان ذلك هو الذي بين
ذينك الوقتين .
وإنما قلنا : ذلك أولى التأويلات به ، لان ذلك هو الظاهر الأغلب ، وإنما يحمل
تأويل القرآن على الأغلب من معانيه ، ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له . فتأويل الكلام
إذا : فلا تستبطئنا يا محمد في تخلفنا عنك ، فإنا لا نتنزل من السماء إلى الأرض إلا بأمر
ربك لنا بالنزول إليها ، لله ما هو حادث من أمور الآخرة التي لم تأت وهي آتية ، وما قد مضى
فخلفناه من أمر الدنيا ، وما بين وقتنا هذا إلى قيام الساعة . بيده ذلك كله ، وهو مالكه
ومصرفه ، لا يملك ذلك غيره ، فليس لنا أن نحدث في سلطانه أمرا إلا بأمره إيانا به وما
كان ربك نسيا يقول : ولم يكن ربك ذا نسيان ، فيتأخر نزولي إليك بنسيانه إياك بل هو
الذي لا يعزب عنه شئ في السماء ولا في الأرض تبارك وتعالى ولكنه أعلم بما يدبر
ويقضي في خلقه . جل ثناؤه . وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال
ذلك :
17957 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن
مجاهد وما كان ربك نسيا قال : ما نسيك ربك . القول في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 132
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٣٢