يشد به رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها . وقوله : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم
يقول : لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك إلا من رحمنا فأنقذنا
منه ، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم . ف من في موضع رفع ، لان معنى الكلام :
لا عاصم يعصم اليوم من أمر الله إلا الله .
وقد اختلف أهل العربية في موضع من في هذا الموضع ، فقال بعض نحويي
الكوفة : هو في موضع نصب ، لان المعصوم بخلاف العاصم ، والمرحوم معصوم قال :
كأن نصبه بمنزلة قوله : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن قال : ومن استجاز اتباع
الظن والرفع في قوله :
وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس
لم يجز له الرفع في من ، لان الذي قال : إلا اليعافير ، جعل أنيس البر اليعافير وما
أشبهها ، وكذلك قوله : إلا اتباع الظن ، يقول علمهم ظن . قال : وأنت لا يجوز لك في
وجه أن تقول : المعصوم هو عاصم في حال ، ولكن لو جعلت العاصم في تأويل معصم ،
لا معصوم اليوم من أمر الله ، لجاز رفع من . قال : ولا ينكر أن يخرج المفعول على فاعل ،
ألا ترى قوله : من ماء دافق معناه والله أعلم مدفوق ؟ وقوله : في عيشة راضية
معناها : مرضية ؟ قال الشاعر :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 60
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٠