تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . فإن قال قائل : وكيف قيل : سعدوا فيما لم يسم فاعله ، ولم يقل : أسعدوا ، وأنت لا تقول في الخبر فيما سمى فاعله سعده الله ، بل إنما تقول : أسعده الله ؟ قيل : ذلك نظير قولهم : هو مجنون محبوب فيما لم يسم فاعله ، فإذا سموا فاعله ، قيل : أجنه الله وأحبه ، والعرب تفعل ذلك كثيرا . وقد بينا بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا . وتأويل ذلك : وأما الذين سعدوا برحمة الله ، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، يقول : أبدا ، إلا ما شاء ربك . فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : إلا ما شاء ربك من قدر ما مكثوا في النار قبل دخولهم الجنة ، قالوا : وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الضحاك ، في قوله : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، إلا ما شاء ربك قال : هو أيضا في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة ، يقول : خالدين في الجنة ما دامت السماوات والأرض ، إلا ما شاء ربك يقول : إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة . وقال آخرون : معنى ذلك : إلا ما شاء ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماوات والأرض ، قالوا : وذلك هو الخلود فيها أبدا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن أبي مالك ، يعني ثعلبة ، عن أبي سنان : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك قال : ومشيئته خلودهم فيها ، ثم أتبعها فقال : عطاء غير مجذوذ . واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع ، فقال بعضهم في ذلك معنيان : أحدهما أن تجعله استثناء يستثنيه ولا يفعله ، كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، وعزمك على ضربه ، قال : فكذلك قال : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ولا يشاؤه . قال : والقول الآخر : أن العرب إذا استثنت شيئا