تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
الخطاب إلى جماعة المسلمين مع النبي ( ص ) مع جماعة الناس غيره لأنه ابتدأ خطابه ثم صرف الخطاب إلى جماعة الناس ، والنبي ( ص ) فيهم ، وخبر عن أنه لا يعمل أحد من عباده عملا إلا وهو له شاهد يحصى عليه ويعلمه ، كما قال : وما يعزب عن ربك يا محمد عمل خلقه ، ولا يذهب عليه علم شئ حيث كان من أرض أو سماء . وأصله من عزوب الرجل عن أهله في ماشيته ، وذلك غيبته عنهم فيها ، يقال منه : عزب الرجل عن أهله يعزب ويعزب لغتان فصيحتان ، قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء . وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لاتفاق معنييهما واستفاضتهما في منطق العرب غير أني أميل إلى الضم فيه لأنه أغلب على المشهورين من القراء . وقوله : من مثقال ذرة يعني : من زنة نملة صغيرة ، يحكى عن العرب : خذ هذا فإنه أخف مثقالا من ذاك أي أخف وزنا . والذرة واحدة الذر ، والذر : صغار النمل . وذلك خبر عن أنه لا يخفى عليه جل جلاله أصغر الأشياء ، وإن خف في الوزن كل الخفة ، ومقادير ذلك ومبلغه ، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه ، وكم مبلغ ذلك . يقول تعالى ذكره لخلقه : فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضى ربكم عنكم ، فإنا شهود لاعمالكم ، لا يخفى علينا شئ منها ، ونحن محصوها ومجازوكم بها . واختلفت القراء في قراءة قوله : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر فقرأ ذلك عامة القراء بفتح الراء من أصغر وأكبر على أن معناها الخفض ، عطفا بالأصغر على الذرة وبالأكبر على الأصغر ، ثم فتحت راؤهما لأنهما لا يجريان . وقرأ ذلك بعض الكوفيين : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر رفعا ، عطفا بذلك على معنى المثقال لان معناه الرفع . وذلك أن من لو ألقيت من الكلام لرفع المثقال ، وكان الكلام حينئذ : وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر من مثقال ذرة ولا أكبر ، وذلك نحو قوله : من خالق غير الله وغير الله . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بالفتح على وجه الخفض والرد على الذرة لان ذلك قراءة قراء الأمصار وعليه عوام القراء ، وهو أصح في العربية مخرجا وإن كان للأخرى وجه معروف . وقوله : إلا في كتاب يقول : وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله مبين عن حقيقة خبر