تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
ب‍ " من " ، فقيل لذلك ما ، ثم قيل : وهم ، فأخرجت كنايتهم مخرج كناية بني آدم ، لان الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ) * . يقول تعالى ذكره : أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئا من خلق الله ، ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءا أو أحل بهم عقوبة ، ولا هو قادر إن أراد به سوءا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها ، وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه ، وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم ، بل لا تجتلب إلى نفسها نفعا ولا تدفع عنها ضرا ، فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعد . يعجب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم الله غيره . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) * . يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربهم إياه : ومن صفته أنكم أيها الناس إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم ، والامر الصحيح السديد لا يتبعوكم لأنها ليست تعقل شيئا ، فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا جائرا ، وتركب ما كان مستقيما سديدا . وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها تنبيههم على عظيم خطئهم ، وقبح اختيارهم ، يقول جل ثناؤه : فكيف يهديكم إلى الرشاد من إن دعي إلى الرشاد وعرفه لم يعرفه ، ولم يفهم رشادا من ضلال ، وكان سواء دعاء داعيه إلى الرشاد وسكوته ، لأنه لا يفهم دعاءه ، ولا يسمع صوته ، ولا يعقل ما يقال له ؟ يقول : فكيف يعبد من كانت هذه صفته ، أم كيف يشكل عظيم جهل من اتخذ ما هذه صفته إلها ؟ وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده ، الضار من يعصيه ، الناصر وليه ، الخاذل عدوه ، الهادي إلى الرشاد من أطاعه ، السامع دعاء من دعاه . وقيل : سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون فعطف بقوله : صامتون ، وهو اسم على قوله : أدعوتموهم ، وهو فعل ماض ، ولم يقل : أم صمتم ، كما قال الشاعر :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 200 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار