تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون وإن قلت في العبادة ، قيل لك : أفكان آدم أشرك في عبادة الله غيره ؟ قيل له : إن القول في تأويل قوله : فتعالى الله عما يشركون ليس بالذي ظننت ، وإنما القول فيه : فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان . فأما الخبر عن آدم وحواء فقد انقضى عند قوله : جعلا له شركاء فيما آتاهما ثم استؤنف قوله : فتعالى الله عما يشركون . كما : 12057 - حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : فتعالى الله عما يشركون يقول : هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب . واختلفت القراء في قراءة قوله : شركاء فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين : جعلا له شركا بكسر الشين ، بمعنى الشركة . وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين وبعض البصريين : جعلا له شركاء بضم الشين ، بمعنى جمع شريك . وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب ، لان القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن يكون الكلام : فلما آتاهما صالحا جعلا لغيره فيه شركا لان آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس ثم يجعلا لله فيه شركا لتسميتهما إياه بعبد الله ، وإنما كانا يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق الله وعطيته ، ثم سمياه عبد الحرث ، فجعلا لإبليس فيه شركا بالاسم ، فلو كانت قراءة من قرأ : شركا صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام : جعلا لغيره فيه شركا ، وفي نزول وحي الله بقوله : جعلا له ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة : شركاء بضم الشين على ما بينت قبل . فإن قال قائل : فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحرث ، والحرث واحد ، وقوله : شركاء جماعة ، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء ، وإنما أشركا واحدا ؟ قيل : قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدا بعينه ولم تسمه ، كقوله : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم وإنما كان القائل ذلك واحدا ، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة ، إذ لم يقصد قصده ، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها .