أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون وإن قلت في العبادة ، قيل لك : أفكان آدم أشرك
في عبادة الله غيره ؟ قيل له : إن القول في تأويل قوله : فتعالى الله عما يشركون ليس
بالذي ظننت ، وإنما القول فيه : فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان .
فأما الخبر عن آدم وحواء فقد انقضى عند قوله : جعلا له شركاء فيما آتاهما ثم استؤنف
قوله : فتعالى الله عما يشركون . كما :
12057 - حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا
أسباط ، عن السدي ، قوله : فتعالى الله عما يشركون يقول : هذه فصل من آية آدم خاصة
في آلهة العرب .
واختلفت القراء في قراءة قوله : شركاء فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض
المكيين والكوفيين : جعلا له شركا بكسر الشين ، بمعنى الشركة . وقرأه بعض المكيين
وعامة قراء الكوفيين وبعض البصريين : جعلا له شركاء بضم الشين ، بمعنى جمع
شريك .
وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب ، لان القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن
يكون الكلام : فلما آتاهما صالحا جعلا لغيره فيه شركا لان آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما
من عطية إبليس ثم يجعلا لله فيه شركا لتسميتهما إياه بعبد الله ، وإنما كانا يدينان لا شك بأن
ولدهما من رزق الله وعطيته ، ثم سمياه عبد الحرث ، فجعلا لإبليس فيه شركا بالاسم ، فلو
كانت قراءة من قرأ : شركا صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام : جعلا لغيره فيه شركا ،
وفي نزول وحي الله بقوله : جعلا له ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة : شركاء
بضم الشين على ما بينت قبل .
فإن قال قائل : فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحرث ، والحرث واحد ، وقوله :
شركاء جماعة ، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء ، وإنما أشركا واحدا ؟
قيل : قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة
إذا لم تقصد واحدا بعينه ولم تسمه ، كقوله : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا
لكم وإنما كان القائل ذلك واحدا ، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة ، إذ
لم يقصد قصده ، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 198
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٩٨