تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
البادئ المثل من النعم ، أو الكفارة بالاطعام ، أو العدل من الصيام ، وجعل ذلك عقوبة جرمه بقوله : ليذوق وبال أمره وجعل على العائد بعد البدء ، وزاده من عقوبته ما أخبر عباده أنه فاعل من الانتقام تغليظا منه للعود بعد البدء . ولو كانت عقوباته على الأشياء متفقة ، لوجب أن لا يكون حد في شئ مخالفا حدا في غيره ، ولا عقاب في الآخرة أغلظ من عقاب ، وذلك خلاف ما جاء به محكم الفرقان . وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك : ومن عاد في الاسلام بعد نهي الله عن قتله لقتله بالمعنى الذي كان القوم يقتلونه في جاهليتهم ، فعفا لهم عنه عند تحريم قتله عليهم ، وذلك قتله على استحلال قتله . قال : فأما إذا قتله على غير ذلك الوجه ، وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال ، فعليه الجزاء والكفارة كلما عاد . وهذا قول لا نعلم قائلا قاله من أهل التأويل ، وكفي خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئه دلالة سواه ، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده ؟ وذلك أن الله عم بقوله : ومن عاد فينتقم الله منه كل عائد لقتل الصيد بالمعنى الذي تقدم النهي منه به في أول الآية ، ولم يخص به عائدا منهم دون عائد ، فمن ادعى في التنزيل ما ليس في ظاهره كلف البرهان على دعواه من الوجه الذي يجب التسليم له . وأما من زعم أن معنى ذلك : ومن عاد في قتله متعمدا بعد بدء لقتل تقدم منه في حال إحرامه فينتقم الله منه ، فإن معنى قوله : عفا الله عما سلف إنما هو : عفا عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءا ، فإن في قول الله تعالى : ليذوق وبال أمره دليلا واضحا على أن القول في ذلك غير ما قال لان العفو عن الجرم ترك المؤاخذة به ، ومن أذيق وبال جرمه فقد عوقب به ، وغير جائز أن يقال لمن عوقب قد عفي عنه ، وخبر الله أصدق من أن يقع فيه تناقض . فإن قال قائل : وما ينكر أن يكون قاتل الصيد من المحرمين في أول مرة قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفارة ، وعفي له من العقوبة بأكثر من ذلك مما كان لله عز وجل أن يعاقبه به ؟ قيل له : فإن كان ذلك جائزا أن يكون تأويل الآية عندك وإن كان مخالفا لقول أهل التأويل ، فما ينكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله على العود بعد البدء ، هو تلك الزيادة التي عفاها عنه في أول مرة مما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبال أمره ، فيذيقه في عوده بعد البدء وبال أمره الذي أذاقه المرة الأولى ، ويترك عفوه عما عفا عنه في البدء ، فيؤاخذه به ؟ فلم يقل في ذلك شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 83 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار