تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
الآية : لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة ، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله . قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الابصار بالنهاية والإحاطة وأما بالرؤية فبلى . قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الابصار في الدنيا وتدركه في الآخرة ، وجائز أن يكون معناها : لا تدركه أبصار من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصار خلقه ، فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه ، هو الذي أثبته لنفسه ، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قواها جل ثناؤه على النفوذ فيه ، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شئ . قالوا : ولا شك في خصوص قوله : لا تدركه الابصار وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم ، غير أنا لا ندري أي معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية . واعتلوا بتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة بنحو علل الذين ذكرنا قبل . وقال آخرون : الآية على العموم ، ولن يدرك الله بصر أحد في الدنيا والآخرة ولكن الله يحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها . واعتلوا لقولهم هذا ، بأن الله تعالى ذكره نفى عن الابصار أن تدركه من غير أن يدل فيها أو بآية غيرها على خصوصها . قالوا : وكذلك أخبر في آية أخرى أن وجوها إليه يوم القيامة ناظرة . قالوا : فأخبار الله لا تتباين ولا تتعارض ، وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل . واعتلوا أيضا من جهة العقل بأن قالوا : إن كان جائزا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه وإن زيد في قواها وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت ، لان كل حاسة خلقت لادراك معنى من المعاني فهي وإن ضعفت كل الضعف فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لادراكه وإن ضعف إدراكها إياه ما لم تعدم . قالوا : فلو كان في البصر أن يدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه ، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها وإن ضعف إدراكه إياه . قالوا : فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا ، كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا . قالوا : فلما كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أن وجوها في الآخرة تراه ، علم أنها تراه بغير حاسة البصر ، إذ كان غير جائز أن يكون خبره إلا حقا . والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الاخبار عن رسول الله ( ص ) أنه قال : إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر ، وكما ترون الشمس ليس دونها