تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
يرون ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم ، بمعنى : أنها لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئا يحيط به . قالوا : ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يعلم ولا يحاط به ، وكما قال جل ثناؤه : ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء . قالوا : فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء . قالوا : ومعنى العلم في هذا الموضع : المعلوم قالوا : فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشئ من علمه إلا بما شاء نفي عن أن يعلموه . قالوا : فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشئ علما نفي للعلم به ، كان كذلك لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر نفي رؤيته له . قالوا : وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما ، كذلك جائز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم ، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الادراك ، ومعنى الادراك غير معنى الرؤية ، وأن معنى الادراك : إنما هو الإحاطة ، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل . قالوا : فإن قال لنا قائل : وما أنكرتم أن يكون معنى قوله : لا تدركه الابصار لا تراه الابصار ؟ قلنا له : أنكرنا ذلك ، لان الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوها في القيامة إليه ناظرة ، وأن رسول الله ( ص ) أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب . قالوا : فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر وحققت أخبار رسول الله ( ص ) بما ذكرنا عنه من قيله ( ص ) أن تأويل قوله : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله ، وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضا ، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحد هذين الخبرين ناسخا للآخر ، إذ كان غير جائز في الاخبار لما قد بينا في كتابنا : كتاب لطيف البيان عن أصول الاحكام وغيره علم أن معنى قوله : لا تدركه الابصار غير معنى قوله : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ولا يدركونه بها ، تصديقا لله في كلا الخبرين وتسليما لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين . وقال آخرون : معنى ذلك : لا تراه الابصار وهو يرى الابصار . ذكر من قال ذلك .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 391 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار