وقضاؤهم له على أنفسهم ، فكان في ذلك قطع عذرهم وانقطاع حجتهم واستعلاء حجة
إبراهيم عليهم ، فهي الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه كالذي :
10526 - حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان الثوري ، عن
رجل ، عن مجاهد : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه قال : هي الذين آمنوا ولم
يلبسوا إيمانهم بظلم .
10527 - حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا يحيى بن زكريا ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قال إبراهيم حين سأل : أي الفريقين أحق بالأمن ؟ قال : هي
حجة إبراهيم . وقوله : وآتيناها إبراهيم على قومه يقول : لقناها إبراهيم وبصرناه إياها
وعرفناه على قومه . نرفع درجات من نشاء .
واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة : نرفع درجات
من نشاء بإضافة الدرجات إلى من ، بمعنى : نرفع الدرجات لمن نشاء . وقرأ ذلك عامة
قراء الكوفة نرفع درجات من نشاء بتنوين الدرجات ، بمعنى نرفع من نشاء درجات .
والدرجات : جمع درجة وهي المرتبة ، وأصل ذلك مراقي السلم ودرجه ، ثم تستعمل في
ارتفاع المنازل والمراتب .
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : هما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما
أئمة من القراء متقارب معناهما وذلك أن من رفعت درجته فقد رفع في الدرج . ومن رفع
في الدرج فقد رفعت درجته ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك فمعنى الكلام
إذن : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه فرفعنا بها درجته عليهم وشرفناه بها عليهم في
الدنيا والآخرة فأما في الدنيا فأتيناه فيها أجره ، وأما في الآخرة فهو من الصالحين ، نرفع
درجات من نشاء أي بما فعل من ذلك وغيره .
وأما قوله : إن ربك حكيم عليم فإنه يعني : إن ربك يا محمد حكيم في سياسته
خلقه وتلقينه أنبياءه الحجج على أممهم المكذبة لهم الجاحدة توحيد ربهم ، وفي غير ذلك
من تدبيره ، عليم بما يؤول إليه أمر رسله ، والمرسل إليهم من ثبات الأمم على تكذيبهم
إياهم وهلاكهم على ذلك وإنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى وتصديق رسله والرجوع
إلى طاعته ، يقول تعالى ذكره لنبيه ( ص ) : تأس يا محمد في نفسك وقومك المكذبيك
والمشركين بأبيك خليلي إبراهيم ( ص ) ، واصبر على ما ينوبك منهم صبره ، فإني بالذي يؤول
إليه أمرك وأمرهم عالم التدبير فيك وفيهم حكيم . القول في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 338
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٣٨