ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام قال : هذا شئ كانت تعمل به أهل
الجاهلية ، وقد ذهب . قال : البحيرة : كان الرجل يجدع أذني ناقته ثم يعتقها ، كما يعتق
جاريته وغلامه ، لا تحلب ، ولا تركب . والسائبة : يسيبها بغير تجديع . والحام : إذا نتج له
سبع إناث متواليات ، قد حمى ظهره ، ولا يعمل عليه . والوصيلة من الغنم : إذا
سبع إناث متواليات حمت لحمها أن يؤكل .
حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا عبد الله بن يوسف ، قال : ثنا
الليث بن سعد ، قال : ثني ابن الهاد ، عن ابن شهاب ، قال : قال سعيد بن المسيب :
السائبة : التي كانت تسيب فلا يحمل عليها شئ . والبحيرة : التي يمنع درها للطواغيت فلا
يحلبها أحد . والوصيلة : الناقة البكر تبكر أول نتاج الإبل بأنثى ، ثم تثني بعد بأنثى ، وكانوا
يسمونها للطواغيت ، يدعونها الوصيلة ، إن وصلت إحداهما بالأخرى . والحامي : فحل
الإبل يضرب العشر من الإبل ، فإذا نقص ضرابه يدعونه للطواغيت ، وأعفوه من الحمل ،
فلم يحملوا عليه شيئا ، وسموه الحامي .
وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الاسلام ، فلا نعرف قوما يعملون بها اليوم .
فإذا كان ذلك كذلك ، وكان ما كانت الجاهلية تعمل به لا يوصل إلى علمه إذ لم يكن له في
الاسلام اليوم أثر ، ولا في الشرك نعرفه إلا بخبر ، وكانت الاخبار عما كانوا يفعلون من
ذلك مختلفة الاختلاف الذي ذكرنا فالصواب من القول في ذلك أن يقال : أما معاني هذه
الأسماء ، فما بينا في ابتداء القول في تأويل هذه الآية . وأما كيفية عمل القوم في ذلك ، فما
لا علم لنا به . وقد وردت الاخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا ، وغير ضائر الجهل
بذلك إذا كان المراد من علمه المحتاج إليه ، موصلا إلى حقيقته ، وهو أن القوم كانوا
محرمين من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله اتباعا منهم خطوات الشيطان ، فوبخهم
الله تعالى بذلك ، وأخبرهم أن كل ذلك حلال ، فالحرام من كل شئ عندنا ، ما حرم الله
تعالى ورسوله ( ص ) ، بنص أو دليل . والحلال منه : ما أحله الله ورسوله كذلك .
القول في تأويل قوله تعالى : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا
يعقلون .
اختلف أهل التأويل في المعني بالذين كفروا في هذا الموضع والمراد بقوله :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 125
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٢٥