سورة المائدة مدنية
وآياتها عشرون ومائة
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى : *
( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم
غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ) *
يعني جل ثناؤه بقوله : يا أيها الذين آمنوا أوفوا : يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله
وأذعنوا له بالعبودية ، وسلموا له الألوهية ، وصدقوا رسوله محمدا ( ص ) في نبوته وفيما
جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه ، أوفوا بالعقود يعني : أوفوا بالعهود التي
عاهدتموها ربكم والعقود التي عاقدتموها إياه ، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا وألزمتم
أنفسكم بها لله فروضا ، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها ، ولمن
عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم ، ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها .
واختلف أهل التأويل في العقود التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية ، بعد
إجماع جميعهم على أن معنى العقود : العهود فقال بعضهم : هي العقول التي كان أهل
الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه
سوءا ، وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه بينهم . ذكر من قال ذلك : معنى العقود
العهود :
حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ،
عن علي ، عن ابن عباس قوله : أوفوا بالعقود يعني : بالعهود .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي
نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : أوفوا بالعقود قال : العهود .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 63
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٣