ومحلل حلاله . * ( واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) * يعني بذلك : واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم
خليل الرحمن ، وأمر به نبيه من بعده وأوصاهم به ، حنيفا ، يعني : مستقيما على منهاجه
وسبيله . وقد بينا اختلاف المختلفين فيما مضى قبل في معنى الحنيف والدليل على
الصحيح من القول في ذلك بما أغنى عن إعادته .
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . وممن قال ذلك أيضا الضحاك .
حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد قال : أخبرنا جويبر عن
الضحاك ، قال : فضل الله الاسلام على كل دين ، فقال : * ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه
لله وهو محسن ) * . . . إلى قوله : * ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) * وليس يقبل فيه عمل غير
الاسلام ، وهي الحنيفية .
القول في تأويل قوله تعالى : * ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) * .
يعني بذلك جل ثناؤه : واتخذ الله إبراهيم وليا .
فإن قال قائل : وما معنى الخلة التي أعطيها إبراهيم ؟ قيل : ذلك من إبراهيم عليه
السلام العداوة في الله والبغض فيه ، والولاية في الله والحب فيه ، على ما يعرف من معاني
الخلة . وأما من الله لإبراهيم ، فنصرته على من حاوله بسوء ، كالذي فعل به إذا أراده نمروذ
بما أراده به من الاحراق بالنار ، فأنقذه منها ، وأعلى حجته عليه إذ حاجه ، وكما فعل ملك
مصر إذ أراده عن أهله ، وتمكينه مما أحب ، وتصييره إماما لمن بعده من عباده وقدوة لمن
خلفه في طاعته وعبادته ، فذلك معنى مخالته إياه . وقد قيل : سماه الله خليلا من أجل أنه
أصاب أهل ناحيته جدب ، فارتحل إلى خليل له من أهل
الموصل - وقال بعضهم : من أهل مصر في امتيار طعام لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته ، فلما قرب من أهله مر بمفازة
ذات رمل ، فقال : لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أغم أهلي برجوعي إليهم بغير
ميرة ، وليظنوا أني قد أتيتهم بما يحبون ! ففعل ذلك ، فتحول ما في غرائره من الرمل دقيقا ،
فلما صار إلى منزله نام وقام أهله ، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا ، فعجنوا منه وخبزوا ،
فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا ، فقالوا : من الدقيق الذي جئت به من عند
خليلك ، فعلم ، فقال : نعم هو من خليلي الله . قالوا : فسماه الله بذلك خليلا . القول في
تأويل قوله تعالى : *
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 402
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٠٢