تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
واختلف أهل العربية في معنى المشيدة ، فقال بعض أهل البصرة منهم : المشيدة : الطويلة . قال : وأما المشيد بالتخفيف ، فإنه المزين . وقال آخرون منهم نحو ذلك القول ، غير أنه قال : المشيد بالتخفيف : المعمول بالشيد ، والشيد : الجص . وقال بعض أهل الكوفة : المشيد والمشيد أصلهما واحد ، غير أن ما شدد منه فإنما يشدد لتردد الفعل فيه في جمع مثل قولهم : هذه ثياب مصبغة ، وغنم مذبحة ، فشدد لأنها جمع يفرق فيها الفعل ، وكذلك مثله قصور مشيدة ، لان القصور كثيرة تردد فيها التشييد ، ولذلك قيل : بروج مشيدة ، ومنه قوله : * ( وغلقت الأبواب ) * وكما يقال : كسرت العود : إذا جعلته قطعا ، أي قطعة بعد قطعة . وقد يجوز في ذلك التخفيف ، فإذا أفرد من ذلك الواحد ، فكان الفعل يتردد فيه ويكثر تردده في جمع منه ، جاز التشديد عندهم والتخفيف ، فيقال منه : هذا ثوب مخرق وجلد مقطع ، لتردد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق . وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردد لم يجيزوه إلا بالتخفيف ، وذلك نحو قولهم : رأيت كبشا مذبوحا ، ولا يجيزون فيه مذبحا ، لان الذبح لا يتردد فيه تردد التخرق في الثوب . وقالوا : فلهذا قيل : قصر مشيد ، لأنه واحد ، فجعل بمنزلة قولهم : كبش مذبوح . وقالوا : جائز في القصر أن يقال قصر مشيد بالتشديد ، لتردد البناء فيه والتشييد ، ولا يجوز ذلك في كبش مذبوح لما ذكرنا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) * . يعني بقوله جل ثناؤه : * ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ) * : وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة يقولوا هذه من عند الله ، يعني : من قبل الله ومن تقديره ، وإن تصبهم سيئة ، يقول : وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم ، يقولوا لك يا محمد : هذه من عندك بخطئك التدبير . وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه : * ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) * . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 238 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار