تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
واختلف أهل العربية في وجه الرفع في قوله : * ( إلا قليل منهم ) * فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع قليل لأنه جعل بدلا من الأسماء المضمرة في قوله : * ( ما فعلوه ) * لان الفعل لهم . وقال بعض نحويي الكوفة : إنما رفع على نية التكرير ، كأن معناه : ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم ، كما قال عمرو بن معد يكرب : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : رفع القليل بالمعنى الذي دل عليه قوله : * ( ما فعلوه إلا قليل منهم ) * وذلك أن معنى الكلام : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم . فقيل : ما فعلوه على الخبر عن الذين مضى ذكرهم في قوله : * ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) * ، ثم استثنى القليل ، فرفع بالمعنى الذي ذكرنا ، إذ كان الفعل منفيا عنه . وهي في مصاحف أهل الشام : ما فعلوه إلا قليلا منهم . وإذا قرئ كذلك ، فلا مرد به على قارئه في إعرابه ، لأنه المعروف في كلام العرب ، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كناية من قد جرى ذكره ، ثم استثني منهم القليل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) * . يعني جل ثناؤه بذلك : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدون عنك صدودا ، * ( فعلوا ما يوعظون به ) * يعني : ما يذكرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره ، * ( لكان خيرا لهم ) * في عاجل دنياهم وآجل معادهم ، * ( وأشد تثبيتا ) * وأثبت لهم في أمورهم ، وأقوم لهم عليها . وذلك أن المنافق يعمل على شك ، فعمله يذهب باطلا ، وغناؤه يضمحل فيصير هباء ، وهو بشكه يعمل على