تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
من مساكنهم بالحجاز ونجد ، فإنه وإن كان قولا له وجه كما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد ، وذلك أن المعروف من الوجوه في كلام العرب التي هي خلاف الأقفاء ، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب في كلام من نزل بلسانه حتى يدل على أنه معني به غير ذلك من الوجوه التي ذكرت دليل يجب التسليم له . وأما الطمس : فهو العفو والدثور في استواء ، ومنه يقال : طمست أعلام الطريق تطمس طموسا ، إذا دثرت وتعفت فاندفنت واستوت بالأرض ، كما قال كعب بن زهير : من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول يعني بطامس الاعلام : داثر الاعلام مندفنها . ومن ذلك قيل للأعمى الذي قد تعفي غر ما بين جفني عينيه فدثر : أعمى مطموس وطميس ، كما قال الله جل ثناؤه : * ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) * . قال أبو جعفر : الغر : الشق الذي بين الجفنين . فإن قال قائل : فإن كان الامر كما وصفت من تأويل الآية ، فهل كان ما توعدهم به ؟ قيل : لم يكن لأنه آمن منهم جماعة ، منهم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، ومخيرق ، وجماعة غيرهم ، فدفع عنهم بإيمانهم . ومما يبين عن أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم ، ما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة جميعا ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كلم رسول الله ( ص ) رؤساء من أحبار يهود ، منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد ، فقال لهم : يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا ! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد . وجحدوا ما عرفوا ، وأصروا على الكفر ، فأنزل الله فيهم : * ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) * . . . الآية .