تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
عنهم أنهم فيها خالدون ، صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها ، إذ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال ويزايله في بعض الأوقات ، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النار التي أصلوها ، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع ، نعوذ بالله منها ومما قرب منها من قول وعمل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) * يعني بذلك جل ثناؤه : شبه ما ينفق الذين كفروا : أي شبه ما يتصدق به الكافر من ماله ، فيعطيه من يعطيه على وجه القربة إلى ربه ، وهو لوحدانية الله جاحد ولمحمد ( ص ) مكذب في أن ذلك غير نافعه مع كفره ، وأنه مضمحل عند حاجته إليه ذاهب بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه ، كشبه ريح فيها برد شديد * ( أصابت ) * هذه الريح التي فيها البرد الشديد * ( حرث قوم ) * يعني زرع قوم ، قد أملوا إدراكه ، ورجوا ريعه وعائدة نفعه ، * ( ظلموا أنفسهم ) * يعني أصحاب الزرع ، عصوا الله ، وتعدوا حدوده * ( فأهلكته ) * يعني فأهلكت الريح التي فيها الصر زرعهم ذلك ، بعد الذي كانوا عليه من الامل ، ورجاء عائدة نفعه عليهم . يقول تعالى ذكره : فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته حين يلقاه يبطل ثوابها ، ويخيب رجاءه منها . وخرج المثل للنفقة ، والمراد بالمثل : صنيع الله بالنفقة ، فبين ذلك قوله : * ( كمثل ريح فيها صر ) * فهو كما قد بينا في مثله من قوله : * ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) * وما أشبه ذلك . فتأويل الكلام : مثل إبطال الله أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ، كمثل ريح فيها صر . وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة آخر الكلام عليه ، وهو قوله : * ( كمثل ريح فيها صر ) * ولمعرفة السامع ذلك معناه . واختلف أهل التأويل في معنى النفقة التي ذكرها في هذه الآية ، فقال بعضهم : هي النفقة المعروفة في الناس . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : * ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ) * قال : نفقة الكافر في الدنيا .