تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
وقد دللنا على معنى الكفر مضى قبل بشواهده ، وأن أصله تغطية الشئ ، فكذلك ذلك في قوله : * ( فلن يكفروه ) * : فلن يغطي على ما فعلوا من خير ، فيتركوا بغير مجازاة ، ولكنهم يشكرون على ما فعلوا من ذلك ، فيجزل لهم الثواب فيه . وبنحو ما قلنا في ذلك من التأويل تأول ذلك من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وما تفعلوا من خير فلن تكفروه يقول : لن يضل عنكم . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، بمثله . وأما قوله : * ( والله عليم بالمتقين ) * فإنه يقول تعالى ذكره : والله ذو علم بمن اتقاه بطاعته ، واجتناب معاصيه ، وحافظ أعمالهم الصالحة حتى يثيبهم عليها ، ويجازيهم بها . تبشيرا منه لهم جل ذكره في عاجل الدنيا ، وحضا لهم على التمسك بالذي هم عليه من صالح الأخلاق التي ارتضاها لهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * وهذا وعيد من الله عز وجل للأمة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب ، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون وأنهم قد باءوا بغضب منه ، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله ، وما جاء به محمد ( ص ) من عند الله . يقول تعالى ذكره : * ( إن الذين كفروا ) * يعني الذين جحدوا نبوة محمد ( ص ) ، وكذبوا به ، وبما جاءهم به من عند الله ، * ( لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ) * يعني : لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا وأولاده الذين رباهم فيها شيئا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة ، ولا في الدنيا إن عجلها لهم فيها . وإنما خص أولاده وأمواله ، لان أولاد الرجل أقرب أنسبائه إليه ، وهو على ماله أقرب منه على مال غيره ، وأمره فيه أجوز من أمره في مال غيره ، فإذا لم يغن عنه ولده لصلبه وماله الذي هو نافذ الامر فيه ، فغير ذلك من أقربائه وسائر أنسبائه وأموالهم أبعد من أن تغني عنه من الله شيئا . ثم أخبر جل ثناؤه أنهم هم أهل النار الذين هم أهلها بقوله : * ( وأولئك أصحاب النار ) * ، وإنما جعلهم أصحابها ، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها ، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه وقرينه الذي لا يزايله . ثم وكد ذلك بإخباره