تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
الناس عن الكفر بالله ، وتكذيب محمد ، وما جاءهم به من عند الله : يعني بذلك : أنهم ليسوا كاليهود والنصارى ، الذي يأمرون الناس بالكفر ، وتكذيب محمد فيما جاءهم به ، وينهونهم عن المعروف من الأعمال ، وهو تصديق محمد فيما أتاهم به من عند الله : * ( ويسارعون في الخيرات ) * يقول : ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم مناياهم . ثم أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب هم من عداد الصالحين ، لان من كان منهم فاسقا قد باء بغضب من الله ، لكفره بالله وآياته ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وعصيانه ربه ، واعتدائه في حدوده . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وما تفعلوا من خير فلن تكفروه والله عليم بالمتقين ) * . اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة : * ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) * جميعا ، ردا على صفة القوم الذين وصفهم جل ثناؤه بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وقرأته عامة قراء المدينة والحجاز وبعض قراء الكوفة بالتاء في الحرفين جميعا : * ( وما تفعلوا من خير فلن تكفروه ) * بمعنى : وما تفعلوا أنتم أيها المؤمنون من خير فلن يكفركموه ربكم . وكان بعض قراء البصرة يرى القراءتين في ذلك جائزا بالياء والتاء في الحرفين . والصواب من القراءة في ذلك عندنا : * ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) * بالياء في الحرفين كليهما ، يعني بذلك الخبر عن الأمة القائمة ، التالية آيات الله . وإنما اخترنا ذلك ، لان ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم ، فإلحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فيها تدل على الانصراف عن صفتهم بمعاني الآيات قبلها أولى من صرفها عن معاني ما قبلها . وبالذي اخترنا من القراءة كان ابن عباس يقرأ . حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : بلغني عن ابن عباس أنه كان يقرؤهما جميعا بالياء . فتأويل الآية إذا على ما اخترنا من القراءة : وما تفعل هذه الأمة من خير ، وتعمل من عمل لله فيه رضا فلن يكفرهم الله ذلك ، يعني بذلك : فلن يبطل الله ثواب عملهم ذلك ، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه ، ولكنه يجزل لهم الثواب عليه ، ويسني لهم الكرامة والجزاء .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 76 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار