تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
عليهم على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل . فلو كان قوله : * ( إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) * استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمة ، أن لا تكون الذلة مضروبة عليهم . وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم ، وخلاف ما هم به من الصفة ، فقد تبين أيضا بذلك فساد قول هذا القائل أيضا . ولكن القول عندنا أن الباء في قوله : * ( إلا بحبل من الله ) * أدخلت لان الكلام الذي قبل الاستثناء مقتض في المعنى الباء ، وذلك أن معنى قولهم : * ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ) * : ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا ، ثم قال : * ( إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) * على غير وجه الاتصال بالأول ، ولكنه على الانقطاع عنه ، ومعناه : ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس ، كما قيل : * ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) * فالخطأ وإن كان منصوبا بما عمل فيما قبل الاستنثاء ، فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى إلا خطأ ، فإن له قتله كذلك ، ولكن معناه : ولكن قد يقتله خطأ ، فكذلك قوله : * ( أينما ثقفوا إلا بحبل من الله ) * وإن كان الذي جلب الباء التي بعد إلا الفعل الذي يقتضيها قبل إلا ، فليس الاستثناء بالاستثناء المتصل بالذي قبله بمعنى أن القوم إذا لقوا ، فالذلة زائلة عنهم ، بل الذلة ثابتة بكل حال ، ولكن معناه ما بينا آنفا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ) * . يعني تعالى ذكره : * ( وباءوا بغضب من الله ) * : وتحملوا غضب الله ، فانصرفوا به مستحقيه . وقد بينا أصل ذلك بشواهده ، ومعنى المسكنة ، وأنها ذل الفاقة والفقر وخشوعهما ، ومعنى الغضب من الله فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : * ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ) * يعني جل ثناؤه بقوله ذلك : أي بوؤوهم الذي باءوا به من غضب الله ، وضرب الذلة عليهم ، بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله ، يقول : مما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته على صدق أنبيائه ، وما فرض عليهم من فرائضه . * ( ويقتلون الأنبياء بغير حق ) * يقول : وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل الله إليهم ، اعتداء على الله ، وجراءة عليه بالباطل ، وبغير حق استحقوا منهم القتل . فتأويل الكلام : ألزموا الذلة بأي مكان لقوا ، إلا بذمة من الله وذمة من الناس ، وانصرفوا بغضب من الله متحمليه ، وألزموا ذل الفاقة ، وخشوع الفقر ، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله ، وأدلته وحججه ، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلما واعتداء .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 68 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار