تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : * ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ) * قال : الجهالة : العمد . وقال آخرون : معنى ذلك : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء في الدنيا . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، قوله : * ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ) * قال : الدنيا كلها جهالة . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : تأويلها : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ، وعملهم السوء هو الجهالة التي جهلوها عامدين كانوا للإثم ، أو جاهلين بما أعد الله لأهلها . وذلك أنه غير موجود في كلام العرب ، تسمية العامد للشئ الجاهل به ، إلا أن يكون معنيا به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرته ، فيقال : هو به جاهل ، على معنى جهله بمعنى : نفعه وضره ، فأما إذا كان عالما بقدر مبلغ نفعه وضره قاصدا إليه ، فغير جائز من غير قصده إليه أن يقال هو به جاهل ، لان الجاهل بالشئ هو الذي لا يعلمه ولا يعرفه عند التقدم عليه ، أو يعلمه فيشبه فاعله ، إذ كان خطأ ما فعله بالجاهل الذي يأتي الامر وهو به جاهل فيخطئ موضع الإصابة منه ، فيقال : إنه لجاهل به ، وإن كان به عالما لاتيانه الامر الذي لا يأتي مثله إلا أهل الجهل به . وكذلك معنى قوله : * ( يعملون السوء بجهالة ) * قيل فيهم : يعملون السوء بجهالة وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله ، عامدين إتيانه ، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام ، لان فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من جهل عظيم عقاب الله عليه أهله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة ، فقيل لمن أتاه وهو به عالم : أتاه بجهالة ، بمعنى : أنه فعل فعل الجهال به ، لا أنه كان جاهلا . وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه : أنهم جهلوا كنه ما فيه من العقاب ، فلم يعلموه كعلم العالم ، وإن علموه ذنبا ، فلذلك قيل : * ( يعملون السوء بجهالة ) * . ولو كان الامر على ما قال صاحب هذا القول لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كنه ما فيه . وذلك أنه جل ثناؤه قال : * ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) * دون غيرهم .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 397 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار