تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
وأما الأذى فهو شكايته إياهم بسبب ما أعطاهم وقواهم من النفقة في سبيل الله أنهم لم يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد ، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذي به من أنفق عليه . وإنما شرط ذلك في المنفق في سبيل الله ، وأوجب الاجر لمن كان غير مان ولا مؤذ من أنفق عليه في سبيل الله ، لان النفقة التي هي في سبيل الله مما ابتغى به وجه الله ، وطلبه ما عنده ، فإذا كان معنى النفقة في سبيل الله هو ما وصفنا ، فلا وجه لمن المنفق على من أنفق عليه ، لأنه لا يد له قبله ولا صنيعة يستحق بها عليه إن لم يكافئه عليها المن والأذى ، إذ كانت نفقته ما أنفق عليه احتسابا وابتغاء ثواب الله وطلب مرضاته وعلى الله مثوبته دون من أنفق ذلك عليه . وبنحو المعنى الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : * ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * علم الله أن أناسا يمنون بعطيتهم ، فكره ذلك وقدم فيه فقال : * ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ) * . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال للآخرين - يعني : قال الله للآخرين ، وهم الذين لا يخرجون في جهاد عدوهم - : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى . قال : فشرط عليهم . قال : والخارج لم يشرط عليه قليلا ولا كثيرا ، يعني بالخارج الخارج في الجهاد الذي ذكر الله في قوله : * ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ) * . . . الآية . قال ابن زيد : وكان أبي يقول : إن أذن لك أن تعطي من هذا شيئا ، أو تقوى فقويت في سبيل الله ، فظننت أنه يثقل عليه سلامك فكف سلامك عنه . قال ابن زيد : فهو خير من السلام . قال : وقالت امرأة لأبي : يا أبا أسامة ، تدلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا ، فإنهم لا يخرجون إلا ليأكلوا الفواكه ! عندي جعبة وأسهم فيها . فقال لها : لا بارك الله لك في جعبتك ، ولا في أسهمك ، فقد آذيتيهم قبل أن تعطيهم ! قال : وكان رجل يقول لهم : اخرجوا وكلوا الفواكه .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 88 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار